نرجو الانتباه : تم افتتاح موقعنا الجديد فيديوهات مسيحية يمكنكم الان مشاهدة فيديوهاتكم المفضلة بدون اي مناظر غير لائقة ، وايضا زورو موقع راعي الخراف   

 

الكتاب المقدس استماع وقراءه الكتاب المقدس للتحميل استماع ترانيم مباشر سنكسار اليوم قراءات اليوم
سير قديسين سير قديسين مسموعة mp3 عظات وتأملاتmp3 ترانيم mp3 تماجيد قديسين mp3
صور وخلفيات برامج تطوير مواقع ومنتديات دعم فني مجاني اسئلة واستفسارات
بوابة راعي الخراف موقع ابونا موسي افلام قديسين عظات عن الصوم الكبير مكتبة الكتب
انضم لمعجبينا في الفيس بوك

  #1  
قديم 30-01-2012, 01:00 PM م.عماد يوسف غير متواجد حالياً
 
م.عماد يوسف
:: عضو نشيط ::
بيانات موقعي
اسم الموقع:
اصدار المنتدى: لا أملك منتدى
 




م.عماد يوسف يستحق التميز

إرسال رسالة عبر Yahoo إلى م.عماد يوسف
البتولية في فِكْر الأباء - أنطون فهمي چورچ

 


:918781:


البتولية
في فِكْر الأباء
VIRGINITY
IN THE PATRISTIC THOUGHT

:2 (2):
إعداد
أنطون فهمي چورچ
:1 (2):
مُقدمة
تحدَّث الآباء عن ” البتولية “ كنذر إنجيلي عاشوه واختبروه ، لذلك أتت كتاباتِهِم لتفصح عن جمال عظمتها ومجدها ، مع الاهتمام بالكشف عن طبيعتها كحياة كنسية إنجيلية أصيلة .
والحقيقة أنَّ عِلْم الباترولوچي يكشِف لنا إنجيلية الحياة البتولية من حيث فِكرتها واتجاهاتها وغايتها وطريقة عيشها ، على اعتبار أنها فائقة للطبيعة : سِرْ الحياة السمائية والتشبُّه بالسمائيين .
وأفاضت كِتابات الآباء في وصف ومدح البتولية وفي شرح مفهومها كحياة ملائكية مُفرحة لها مُقوماتها وطريقها ليس كغاية في ذاتها إنما طريقة دخول في المَعِيَّة الإلهية .
إلاَّ أنَّ مُعظم ما كُتِبْ عن البتولية إنما يقترِن بالحياة النُّسْكية التي تُؤكِد الوثائِق الأولى على تعريفها بأنها شَرِكَة آلام المسيح ، وبأنها أيقونة حيَّة للحُب الحق ودخول إلى الحياة الفِردوسية ، وبأنها إمتداد لحركة الاشتياق للاستشهاد مع المسيح ومن أجله .
وفي واقع عِلْم الباترولوچي نفهم حياة النُّسْك بصفة عامة ونذر البتولية بصفة خاصَّة كحياة إنجيلية فِصْحية مجيئية وسَرَائِرِية ، تلتقي فيها النَّفْس مع عريسها الإلهي وتدخُل لتجد نفسها في حِجال المسيح الملك فتعيش حياة الفرح المخفي .
لقد قدَّمت لنا كِتابات الآباء شهادة حيَّة تحوي الكثير عن البتولية كحياة ، إمَّا في كِتابات مُباشرة ، أو بالحديث العَرَضِي في عِظة أو مقال روحي أو تفسير كِتابي ... وجاءت أيضاً بعض الكِتابات ضِمن أقوال وسِيَرْ الآباء النُّسَاك .
وهناك آباء اهتموا بالكِتابة عن البتولية إهتماماً خاصاً فأفردوا لها كُتُباً ذات فِكْر كَنَسي شامِل مُعطين إيَّاها نوعاً من الاستقلال ، فجاءت دَسِمَة مُتنوعة مُشبَّعة بالجانب النُّسْكي والعقيدي والدِفاعي بأبعاده السِرِية والرمزية والروحية .
إنَّ هذه الدراسة التي نُقدِّمها ضِمن سلسلة أخثوس ΙΧΘΥΣ تُلبي حاجة في صفوف المُهتمين بأقوال الآباء وبالحياة التكريسية ... إذ أنَّ الرجوع إلى هذه الينابيع الروحية يُوسَّع أُفقنا الروحي ويُعمِّق فِهمِنا ، فالحقيقة أننا بأمَسْ الحاجة إلى السلوك بحسب فِكْر ومنهج الآباء ، الأمر الذي يقوده ويشجعه في جيلنا المُعاصِر خليفة الآباء البابا المُكرَّم الأنبا شنوده الثَّالِث أطال الله حياته .
ذلك أنَّ الكِتاب الذي بين أيدينا يحمِل مسيرة حلوة سعى إليها آباء الكنيسة سعياً حثيثاً لا يتعب ولا يفتُر بل في مجّانية الإشتياق و” الشوق إلى الله “ في معناه المُضاعف المُعاش والمُختبر ، كلِّمونا بخبرة حقيقية لا تتوقف عن المسير أبداً ، مُريدين أن يعلِّمونا الطريقة التي نسلُك فيها .
ويتضمن هذا الكِتاب أقوالاً وكلِمات ذات جمال أدبي في طليعة الأدب الصوفي العالمي – فهو كِتاب كلاسيكي في الأدب النُّسْكي الأرثُوذُكسي – إلاَّ أننا نُقدِّمها في نور الروح القدس لتبلُغ بنا إلى الله ، نُقدِّمها لتكون أعمق من الكلام المكتوب ، طعاماً روحياً يُغذينا ويُحيينا ، نُقدِّمها نموذجاً وقياساً للسَّالكين في دروب التكريس لتقديم مُثُلْ السيرة البتولية ، نُقدِّمها إلى الأحياء الذين تكرَّسوا للعريس الخَتَنْ الحقيقي من رُهبان وعذارى ومُكرسين .
ولا يسعني إلاَّ أن أسجُد للثَّالوث القدوس المُبارك من أجل هذا العمل المُبارك الذي تبلورت فِكرته في زيارتي الخَلَوِية لدير مارجرجس الحرف الفِردوس الأرض بلُبنان ، وهناك تأثرت كثيراً بما شاهدت ورأيت ولمست ، فلا عجب أن يكون ذلك كذلك وهم الذين قدَّموا لنا كِنوز ودُرَرْ الآباء : أُصول الحياة الروحية – السُّلَمْ إلى الله – أقوال الآباء الشيوخ ، وغيرها من الكِتابات الأبائية الدَسِمة ، التي صارت ” جسراً ناقِلاً “ وشاهداً قوياً في هذا العصر للأُرثوذُكسية الشاملة الجامعية .
شُكراً لهم على ما قدَّموه وما يُقدموه من عمل ذِهني وعلى تأسيسهم لـ ” منشورات التُراث الآبائي “ من أجل التمتُّع باللاهوت الكَنَسِي الأُرثُوذُكسي .
إنني أهدي هذا العمل المُتواضع إلى روح الوحدة المسكونية ، إلى الأب الجزيل الإحترام الأرشمندريت ألياس مرقس رئيس دير مارجرجس الحرف بجبل لُبنان ، وإلى الأرشمندريت أفرآم كرياكوس بدير مارِميخايِل – بسكنتا – لُبنان – راجياً لهما عُمراً مديداً .
إنه الوقت المُناسِب الآن لوحدة الكنيسة الأُرثوذُكسية ، لتستعيد مكانتها ودورها اللاهوتي والخلاصي والاجتماعي ، من أجل حِفْظ التقوى وحِفْظ حضور كنائِس الشرق على المُستوى العالمي الكَنَسِي ، ذلك الحِلم الذي يُحققه الآن قداسة البابا المُعظّم الأنبا شنوده الثَّالِث لا كحقيقة نظرية بل كواقِع مُعاش ، جاعلاً من روح وفِكْر ونُسْك وحياة الآباء نمط عمل ... فليحفظه الرب في كلّ حين في كنيسته المُقدسة إلى مُنتهى الأعوام وإلى يوم المجئ .
وللثَّالوث القدوس المُبارك كلّ المجد والكرامة
من الآن وإلى الأبد

13 فبراير 1996م أنطون فهمي چورچ
تِذكار نياحة أخثوسΙΧΘΥΣ
القديس يوحنَّا الحبيب البتول



[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/AVEMAR%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]










الباب الأوَّل
البتولية في فِكْر الآباء
الفصل الاول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع

البتولية عند الآباء الرَّسوليين والمُدافعين
البتولية عند آباء الأسكندرية
البتولية عند الأقمار الثَّلاثة
البتولية عند الآباء السُّرْيان



الفصل الأوَّل
البتولية عند الآباء الرَّسوليين والمُدافعين
ظهرت الكِتابات عن البتولية مُبكراً منذ العصر الرسولي ومن بعده في زمن الآباء الرسوليين ، فجاءت كِتاباتِهِم وأقوالهم مُعبِّرة عن اهتماماتِهِم بحياة البتولية ، خلال رسائِل القديس كلِمنضُس الروماني ( أسقف روما في القرن الأوَّل ) ، وخلال الدِيداكية ( تعليم الرب للرُّسُل الاثنى عشر ) ( 100 – 150م ) وخلال كِتابات الراعي هرماس وكِتابات القديس أغناطيوس الأنطاكي .
فأفاضوا في مدح البتولية وتمجيدها ، وأظهروا تقدير الكنيسة في العصر الرسولي وما بعده للبتولية وللمُتبتلين كطغمة من طغماتها ، إذ أنها كرَّمتهم وجعلت أماكن جلوسهم في الصفوف الأولى بالكنيسة في مُقدمة جماعة المُؤمنين .
وتُعتبر الرسالتان المنسوبتان للقديس كلِمنضُس الروماني تلميذ الطوباوي بطرُس الرسول ، أقدم وثيقتين لتاريخ البتولية وقوانين الحياة النُّسْكية ، إذ تُمثِلان مدحاً لحياة البتولية كعمل إلهي فائِق للطبيعة وكحياة ملائكية ، ويتحدَّث فيهُما الكاتِب عن طبيعة البتولية ومفهومها كحياة روحية وجسدية وليست مُجرّد ألقاب .
تتحدَّث الرسالة الأولى مُخاطِبة كلّ الذين يُحِبون المسيح وينشغِلون به ، المُتبتلين الطوباويين الذين كرَّسوا أنفسهم لحِفْظ البتولية من أجل ملكوت السموات مُتأهلين في كلّ شيء بالبِر والإيمان ليكون لهم نِعمة وفِطنة صالحة قُدَّام الله والناس .
وتحرِص الرسالة على اعتبار أنَّ سُبُل البتوليين ينبغي أن تكون كنور مُشرِق يتزايد نوره ليصل إلى النهار الكامِل ، وعلى أنَّ أشعة نورهم ينبغي أن تُضئ الخليقة كلّها من الأعمال الصالِحة ، مُلتزمين بالكمال في الكلِمات والأفعال مُتزينين في حياتهم بسلوك نموذجي وترتيب .
كما ركِّزت الرسالة على ضرورة أن يكون المُتبتلون مثالاً للمُؤمنين وأن يسلُكوا في أعمال كاملة لائِقة ، إذ لا يقدِر الإنسان أن يخلُص لمُجرّد أنه بتول ، فقد دعى ربنا مثل هذه البتولية ” جهلاً “ كما جاء في الإنجيل ، ويعتبر كاتِب الرسالة أنَّ مَنْ يُنكِر قُوَّة البتولية والقداسة إنما يُقدِّم عبادة باطلة ، وتُعتبر بتوليته من نوع دَنِسْ .
وتشرح الرسالة مفهوم البتولية بطريقة عملية باعتبارها إنسحاب وانفطام عن الشهوات وكذلك كاختبار للحياة الإلهية السمائية على مثال الملائكة القديسين ، عملها سامي عظيم ، لها أتعابها ومشقاتها الحقَّة التي لا تتوقف وعملها المُقدس الكريم ومُصارعتها القانونية للنُّصرة على التنين والأسد والحيَّة والشيطان ، ومن ثمَّ يصير مجد البتولية وسمو رِفعتها ودعوتها العُليا .
كما تُقدِّم الرسالة نماذِج لشخصيات عاشت عظمة البتولية التي تعتبرها إمتثال بالمسيح في كلّ شيء ، وبالعذراء البتول التي أخذ من جسدها البتول جسده ، وتُقدِّم أيضاً نذير ربنا يوحنَّا المعمدان كنموذج للسيرة البتولية ، وكذلك سميُّه يوحنَّا الحبيب الذي إتكأ على صدر ربنا ، كما تُقدِّم القديس بولس وبرنابا وتيموثاوس نماذِج لقداسة البتولية ، علاوة على إيليا وأليشع وكثيرين من الذين يجب أن نتشبه بهم .
وحرصت الرسالة على إبراز حتمية بتولية الروح إلى جِوار بتولية الجسد ، إذ ليس من البتوليين مَنْ لم يكُن مثل المسيح في كلّ شيء ، والذين هم مُتبتِلون يفرحون لأنهم يصيرون مثل الله ( الآب ) ومسيحه ، فلا يكون فيهم فِكْر الجسد الذي هو عداوة لله ، لأنَّ البتوليين خاصَّة ليس فيهم شيء من فِكْر الجسد بل تكون فيهم ثِمار الحياة ويكونون مدينة وبيوتاً وهياكِل لسُكنى الله ، ويظهرون للعالم كأنوار مُستحِقة للمدح والإفتخار ولأكاليل الفرحة والبهجة .
وتُحذِّر الرسالة من المخاطر والعثرات والشِباك والفِخاخ المُحيطة بطريق البتولية وتُقدِّم الفضائِل المُلازمة لها مع بعض النصائِح التي تجعل من المُتبتلين فَعَلَة بلا لوم أُمناء عمَّالين ، إذ أنَّ التبتُّل الحقيقي يفرِض مسئوليات جَدِيّة فهو ليس مُجرَّد حالة جسدية إنما هي زيجة روحانية ...
وعندما نأتي إلى الرسالة الثَّانية نجد تحذيرات تتعلَّق بخُلطة النُّسَاك والناسِكات ، وبسلوك المُجاهدين في دروب البتولية وتنظيم مواضِع سُكناهم لتأمين دعوتهم بعيداً عن العثرة ، على مِثال يوسف الصِّدِّيق ... وتروي الرسالة سِيَر آباء من العهدين ( سقوط شمشون الجبَّار – سقوط داود – آمون وثامار – سُليمان ابن داود – سوسنَّة والشيخان ... ) .
كذلك جاء أيضاً في مُؤلف من الأدب المسيحي منسوب إلى كلِمنضُس الروماني يُسمَّى بـ ” عهد الرب “ وهو ضِمن مجموعة الثمانية كُتُب المدعوة ” الثَّماني Octateuque “ وُجِدت أولاً تحت عنوان ” القوانين الرَّسولية Les Constitutions Apostoliques “ ما يُفيد أنَّ البتول لا يُقام أو يُرسم ، بل هو نفسه يختار راضياً فيُعرف بهذا الاسم ، لا تُوضع اليد للبتولية ، لأنَّ هذه الحالة هي إرادة شخصية إلى جِوار أنها هِبة وعطيَّة ونِعمة .
ثم نأتي بعد ذلك إلى القديس أغناطيوس الأنطاكي الذي تحدَّث عن البتولية كسِرْ ، فقال : ” بتولية مريم وابنها وكذا موت الرب ، أمسكوا برئيس هذا العالم . هذه الأسرار الثَّلاثة ( أي سِرْ بتولية العذراء ، وابنها ، وسِرْ موت الرب ) تمَّت في السكون الإلهي ... “.
وفيما هو يعتبِر البتولية سِرْ إلهي ، يرى ضرورة تلازُمها بالإتضاع ، فعلى البتول أن يحفظ بتوليته إكراماً لجسد الرب ، لكنه لو تكبَّر أضاع نفسه .
وهنا يحِث القديس أغناطيوس الذين يعيشون في البتولية على ضرورة الشعور بعدم الاستحقاق ، لأنَّ البتولية المُعطاة لهم هي نِعمة سَرَائِرية ليس لهم فضل فيها ، وبفهم صحيح يكون عندهم قُدرة ليُقدِّموا ذواتهم بالكُلية للمسيح ، وإكراماً لجسده يُقدِّمون أجسادهم وأرواحهم له وكلّ ما لديهم من طاقة وقُدرة وجهد ووقت وتفرُّغ ذهني وقلبي وروحي وليس فقط مُجرَّد التفرُّغ الوقتي ، ليكون إكراماً لجسد الرب ، ويقول القديس : ” إذا كان بإمكان أحد أن يبقى مُتبتِلاً مُتشرِفاً بجسد السيِّد فليبقَ كذلك مُتضِعاً “ .
ويجمع القديس أغناطيوس الأنطاكي في رسائِله بين ما جاء في إنجيل يوحنَّا وما قاله القديس بولس عن الثبات في المسيح والإتحاد بالمسيح والإقتداء بالمسيح ، فكتب إلى أهل رومية ( 8 : 5 – 6 ) يُذكِّرهم أنَّ ” مَنْ يهتم بالجسد لا يُمكنه أن يعمل الأعمال الروحية ومَنْ يهتم بالروح لا يُمكنه أن يفعل أفعال الجسد “ ويُوصي بالثبات والإتحاد والإقتداء بالمسيح ، ونَحَتْ القديس أغناطيوس لهذه الغاية إصطلاحات ” حاملي الإله “ ” حاملي المسيح “ ” حاملي الهيكل “ .
هذا وفي رسائِل المُتوشِح بالله أغناطيوس الأنطاكي يُقدِّم دائماً تحية ومُصافحة أبوية كأسقف لبيوت العذارى والمُتبتِلات والمدعوات أرامِل ، مع نصائِح رَعَوِية لهُنْ ليكُنَّ أقوياء بفضيلة الروح ويتشددن بالإيمان والمحبة جسدياً وروحياً .
أمَّا الشهيد بوليكاربوس )*( أسقف سميرنا فيُوجِه نداءهُ إلى الأرامِل اللاتي تكرسن للرب في فيلبي لكي يكُنَّ ” عاقِلات في الإيمان بالرب “ ويُعرِّفهُنَّ أنَّهُن هيكل للرب ، فهو الذي يفحص كلّ شيء بدقة ولا يُخفى عنه شيء من أفكارنا وعواطِفنا وأسرار قلبِنا .
ويقول هرماس الذي ذَكَره القديس بولس الرَّسول في رسالته إلى أهل رومية ( 16 : 14 ) وهو صاحب كِتاب الرَّاعي : إنَّ البتولية ليست بين الأعمال التي يجب القيام بها ، ولكنها بين الأعمال التي تتم طواعية كالاستشهاد ، أي أنها ليست للجميع بل للذين أُعطِيَ لهم ، فهي بين الأعمال التي يتم التبرُّع بها .
ويرى كاتِب الرَّاعي هرماس أنَّ البتول هو العفيف البعيد عن كلّ شهوة رديئة والمُمتلِئ بساطة وبراً ، لذلك يصِف العذارى بالجمال ، ويُوصيهن بالاستعداد والمهابة وكذا بالقُدرة على الإحتمال والرجولة الروحية .
وتُشير رؤيا هرماس إلى أنَّ العذارى يُساهِمن في بُناء الكنيسة وفي حراسِتها ، ويُسرِعنَ لمُلاقاة رب الكنيسة والسير معه في خِدمته ، لهُن أرواح مُقدسة ، ويلبِسنَ الوِشاح مملوئات فضائِل .
وعندما نأتي إلى الكِتابات الدِفاعية ، نجد آراء القديس يوستين الشهيد )+( عن البتولية : ” لقد سِرْنا قبلاً في النجاسات ، والآن نُحِب ونحفظ العِفة فقط ، بينما استخدمنا فنون السِحْر في الماضي ، نحن الآن مُكرَّسون لله ضابِط الكُلّ ، فيما سبق أحببنا المال والقِنية فوق كلّ ما عداها ، أمَّا الآن فنترُك الأشياء القليلة التي نمتلِكها في شَرِكَة ونُوزِعها على الأكثر احتياجاً .... “ .
وعن العِفة يقول : ” كلّ مَنْ نظر إلى امرأةٍ ليشتهيها ، فقد زنى بها في قلبه ( مت 5 : 28 ) كذلك الذي يشتهي أن يزني ، لأنه ليس فقط أفعالنا بل وأفكارنا أيضاً معروفة لله ... وهناك الكثير من الرِجال والنِساء لهم من العُمر 60 أو 70 عاماً ، وهم تلاميذ المسيح منذ شبابهم ، وحفظوا بتوليتهم ، وأنا أُعلِن أنني أستطيع أن أُريكم مثل هؤلاء في كلّ أرض وكلّ شعب “ .
ويرى المُدافِع أثيناغُوراس الأثيني أنَّ التبتُّلْ أجمل ثِمار المسيحية ومن أعظم فضائِلها وأحلاها لأنَّ المُتبتِل يجد نفسه أكثر إتحاداً بالعريس السمائي ، وأقرب إلى الإتصال والتحدُّث إليه .
وكَتَبْ أثيناغُوراس في التماسه من أجل المسيحيين والذي وجّهه إلى الإمبراطور مرقُس أوريليوس مُفنِداً الإتهامات التي وجَّهها الوثنيون إلى المسيحيين ، والتي كان من بينها الإتهام بالمُعاشرات الأوديبية ، فكان ردُّه على هذا الإتهام : ” المسيحيون يزدرون بالحياة الحاضِرة والبعض منهم يحيا في حياة طهارة كاملة مُتبتِلاً لله ، والبعض الآخر تزوج لكن بقصد الإنجاب فقط ... فليس عند المسيحيين أي اختلاط أُوديبي ، لأنهم يُؤمنون أنَّ الله رقيب على أفكارهم وحركات قلوبهم وأنهم سيُدانون على كلّ فِكْر شرير ، ويمنعون أنفسهم حتّى من النظرة الشِّرِّيرة ، فكم بالأحرى جداً يعِفُّون عن أعمال النجاسة ؟ “ .
ويعتبِر أثيناغُوراس أنَّ البتولية حالة أكثر إتحاداً مع الله وأكثر كمالاً لكنها إختيارية ، وركِّز في دِفاعه على الاحترام المُتبادل بين المسيحيين وبعضهم البعض ونظرتهم المُقدسة للزواج وحبُّهم لحياة البتولية .
هذا ويُعد ميليتو المُدافِع أسقف ساردس البتول من كواكِب كنيسة آسيا وأكثر شخصيات القرن الثَّاني وقاراً وهيبة ، والمحسوب من أجل بتوليته أحد الأنوار العظيمة بحسب وصف بوليكراتس أسقف أفسُس : ” ميليتو البتول الذي يعيش كُلّيةً في الروح القدس ورقد في ساردس مُنتظِراً الدعوة من السماء عندما سيقوم من الأموات “ .
وقد حث نواتيانوس المُدافِع الروماني في رسالته عن الإتضاع De Bono Pudicitoe ، على الاستمساك بالإنجيل والعِفة ... وجعل هذا العلاَّمة الروماني العِفة درجات أوِّلها التبتُّل والثَّانية الإعتدال ، والثَّالِثة الأمانة التامة لسِرْ الزيجة وعهد الزواج ، ومع أنَّ الزواج تزامن مع خلق الإنسان وتبارك من ربنا يسوع الذي بارك عُرْس قانا الجليل ، وأيضاً برُسُله القديسين ، لكن التبتُّل والعِفة الكاملة يفوقان الناموس ... وهو مُساوِ لصِفات الملائكة ، بل وجهاد البتولية والانتصار على الطبيعة البشرية لا وجود له عند الملائِكة ، وهذه النُّصرة هي التي تجعل من البتولية أعظم اللذات .
وعندما نأتي إلى المُدافِع الأفريقي العلاَّمة ترتليان نجده قد كتب ما لا يقِل عن ثلاثة كُتُب عن الزواج وتكرار الزيجة فينصح الأرامِل أن يبقين هكذا وألاَّ يتزوجن ثانية ، إذ لا يوجد أي سبب حَسَنْ للزيجة الثَّانية ، فإذا أراد الله لأرملة أن تفقِد زوجها بنياحته ، يجب ألاَّ تُحاول هي بزواجها ثانية أن تستعيد ما أخذه الله ، وهذا الإتحاد ما هو إلاَّ عائِق في طريق القداسة !! ولكن هذه الرؤية لا تُقرها الكنيسة فقد كان ترتليان مُتطرِفاً في رؤيته للزواج نتيجة سقوطه في البِدعة المونتانية )*( .
ويُعالِج العلاَّمة ترتليان موضوع الزيجة الواحدة كما تكلَّم عن خمار العذارى الذي رأى ضرورته للمُتزوجة وغير المُتزوجة دون أن يستثني أحد من هذه القاعدة ، إذ أنَّ الكِتاب المُقدس والطبيعة والسلوكيات الحَسَنَة جميعها تحِث العذارى على تغطية رأسها ، وإذا كانت تفعل هكذا داخل الكنيسة فَلِمَا لا تفعله خارِجها ؟
الفصل الثَّاني
البتولية عند آباء الأسكندرية
كانت مدرسة الأسكندرية اللاهوتية عقل المسيحية يأتي إليها الغرب طلباً لاستنارة أعظم باعتبارها أقدم مركز للعلوم القُدسية في تاريخ المسيحية ، حيث تُمارس العِبادة جنباً إلى جنب مع الدراسة ، ويحيا فيها المُعلِّمون وتلاميذهم حياة نُسكية ... فقد عُرِف غالبية أساتذة هذه المدرسة اللاهوتية الشهيرة بحبهم لحياة البتولية والزُهد في العالم .
واعتبر الآباء السكندريون أنَّ البتولية شَرِكَة عميقة مع الله وأنها ليست غاية في ذاتها إنما هي طريق للدخول العميق في المَعِيَّة الإلهية ، وأنَّ الإتحاد مع الرب بِداية شوطها ونهايتها ، ولهذا سَلَكْ فيها كثيرون كطريق ضيِّق لكن ليس مُستحيل .
ومن بين أشهر رؤساء مدرسة الأسكندرية نجد القديس كلِمنضُس السكندري أحد أعمدة التقليد السكندري والذي أكَّد المُؤرخون على بتوليته ، فقال عنه جونز كواستن Quasten المُؤرِخ الآبائي الشهير : ” سَلَكْ بالبتولية إذ لم يتزوج حُباً في الرب “ ، وكان كلِمنضُس مراراً كثيرة يمدح البتولية والذين وهبهم الله إيَّاها ، مُقتنِعاً بأنَّ مَنْ يبقى بمُفرده لكي لا يُحرم من خدمة الرب يربح مجداً سمائياً ، وحين قارن القديس بين المُتزوج والأعزب ، رأى أنَّ المُتزوج أسمى من الأعزب ، لكنه ميَّز بين الأعزب والبتول .
وكَتَبْ القديس كلِمنضُس أيضاً عن قُدسية الزواج ورفع من شأنه كعمل شَرِكَة مع الخالِق ، إلاَّ أنه يُؤكِد على مفهوم أنَّ الكلّ ليس مُلتزِم بالزواج ولا الكلّ مُلتزِم بالبتولية ، مُعتبِراً أنَّ الإيمان هو بِدء الحياة المسيحية وسِرْ قُوَّة الله العاملة فينا وسَنَدْ الحياة الأبدية ، هذا ويُلخِص القديس كلِمنضُس رؤيته للبتوليين باعتبارهم مُختارين أكثر من المُختارين .
أمَّا العلاَّمة أوريجانوس أحد أشهر مُعلِّمي الأسكندرية فكان تعليمه عميقاً عظيماً ومُعاشاً ، إذ بينما كان يشتاق أن ينال إكليل الاستشهاد مع والده الشهيد ، أرسل إليه يُحذِّره ” إحذر أن تغيَّر قلبك بسببنا “ ، وبعدئذٍ وجد أوريجانوس أنَّ حياة البتولية هي ظِلْ للاستشهاد ، لذلك قدَّم حياته مثلاً للحياة الإنجيلية مُكرِساً إيَّاها بالكامِل .
ورأى العلاَّمة أوريجانوس أنَّ الإنسان البتول يطلُب الإتحاد مع الله خلال التمسُّك بحِفْظ البتولية ، ولذلك كان قائِداً لتلاميذه وسامعيه في ذات الطريق ، واقترنت كِتاباته بزيادة الحُبْ الإلهي أكثر فأكثر والسعي نحو الكمال والنقاوة والحواس النورانية .
وقد تضمنت تفاسير العلاَّمة أوريجانوس لأسفار الكِتاب المُقدس إشراقات كثيرة حول مفهوم البتولية ، فاعتبر أنَّ كنيسة الأبكار هي أعلى مرتبة في الملكوت السمائي وأنها أرقى هذه الدرجات التي سيرتقيها البتوليون باعتبارهم أعضاء في كنيسة الأبكار ينعمون بِشَرِكَة تبعية المسيح البِكْر .
وفي كِتابه عن ” المبادئ “ تكلَّم عن البتولية كذبيحة ، فقال : ” إن أردت تفسيراً أخلاقياً وسلوكياً لِمَا وَرَدْ في ( لا 1 : 1 ) فلديكَ أنتَ أيضاً عِجْل ، عليكَ أن تُقدِّمه، وهذا العِجْل هو حقاً تقدِمة ثمينة ، إنه جسدك ، فإذا أردت أن تُقدِّمه هِبَة للرب ، وأن تحفظه طاهراً بتولاً .. يجب أن تبتعِد عن الشهوة وتهرب من الزلل ، وضع يدك على ذبيحتك لكي تُقبَلْ من الرب ، إذبحها أمام الرب ، أي ضع عليها لِجام العِفة البتولي ، ولا تنزع عنها نير التأديب ( 1كو 9 : 27 ) واذبحها أمام الرب ، أمِتْ بلا تردُّد أعضاءك .. فالكلِمة الإلهية تُريد إذن منك أن تتقدَّم لله بعاطفة مقبولة ، وتُقدِّم له جسداً عفيفاً ، حسب قول الرَّسول ( رو 12 : 1 ) ، فهناك قوم يُقدِّمون بلا شك أجسادهم مُحرِقة ، أعضاء بالجسد لكن نِفوسهم ليست عفيفة ، فربما قد تدنَّسوا بشهوة المجد البشري أو تنجَّسوا بمُغريات البُخْل أو تلطَّخوا بشر الغيرة والحسد “ .
ويعتبر أوريجانوس أنَّ الذبيحة الأولى في الكنيسة بعد ذبيحة الرُّسُل هي ذبيحة الشُّهداء والثَّانية هي ذبيحة البتوليين ... لكنه يُنبِه أنَّ أجساد البتوليين والعُّبَاد إذا تنجست بدنس الكبرياء ونجاسة الكِذب ، لا تعود بعد ذبيحة مُقدسة مرضية أمام الله ، طالما أنها بتولية في الجسد فقط ، لأنه في الناموس عندما كانت تُقدَّم الذبيحة كان الكاهن يفحص باهتمام ليس فقط لكي تكون الذبيحة المُختارة من بين الحيوانات الطاهرة بل وأيضاً أن تكون بلا عيب في عينيها وأُذُنيها فلا يقرُب إلى المذبح المُقدس حيواناً أعرج أو أعور أو أصم .
ثم نأتي إلى البابا أثناسيوس الرَّسولي أشهر آباء الأسكندرية ، لنجده بتولاً ناسِكاً يقضي أوقاته في قلالي الرُهبان التي صارت كهياكِل مُقدسة في الجبال مليئة بجماعة الأتقياء ، يُرنمون ويشغفون بالقراءة ويصومون ويُصلُّون فَرِحين برجاء الحياة العتيدة .
والبتولية في نظر القديس أثناسيوس في مُستوى الشهادة والاعتراف ، الأمر الذي أكَّده عندما كتب في سيرة الأنبا أنطونيوس : ” وعندما توقف الاضطهاد أخيراً وأكمل المغبوط بطرُس خاتِم الشُّهداء عام 311م ، إنصرف أنطونيوس واعتزل ثانيةً في صومعته وبقى هناك كلّ يوم شهيداً أمام ضميره مُناضِلاً في جهاد الإيمان وصار نُسكه أشد صرامة “ .
ونجد أنَّ الإتجاه النُّسْكي وحياة البتولية صارا خطاً أساسياً في كِتابات البابا السكندري العشرين ، حتّى أنه في كِتاب ” تجسُّد الكلمة “ يقول : ” إنَّ حِجَجْنا هذه التي نُقدِّمها لا تنبُع من كلِمات وحسب ، لكن لها شاهد حقيقي لصدقها وذلك بالمُمارسة والاختبار والذي يُريد أن يتحقَّق من ذلك فليذهب ليرى بُرهان الحق في حياة عذارى المسيح المُتبتِلات وفي حياة هؤلاء الشباب الذين يُمارِسون حياة العِفة المُقدسة ( البتولية ) “ .
وخير دليل على تشجيع هذا الراعي العظيم لحياة البتولية ، هو النشاط المُتزايِد جداً في الخروج من العالم في زمان بابويته ، فكم مِنْ عذارى نذرنَ أنفُسهُنَّ للمسيح وكم من شباب خرجوا للحياة الرَّهبانية ، وكم مِنْ آباء أقنعوا أولادهم وكم من أولاد أقنعوا أباءِهِم لمزيد من النُّسْك المسيحي والتشجيع على البتولية .
كذلك رأى البابا أثناسيوس أنَّ طقس البتولية وخاصَّة للعذارى هو طقس ملائكي، كرامته في الكنيسة تفوق الوصف وله عمله السِّرِّي لدرجة أنه كان يقول أنَّ المدينة إذا كان يوجد فيها عذراء نقية مُتبتِلة للمسيح ، فإنَّ الله يحفظ هذه المدينة بلا سوء بسبب هذه العذراء ( قوانين أثناسيوس ) .
ولعلَّ مقالاته وكِتاباته عن النُّسْك والبتولية وهو ناسِك ورئيس نُسَّاك قد شجَّعت كثيرين على عِشْق البتولية ودفعت بأولاده لينخرطوا في الحياة الرَّهبانية والسيرة البتولية مُتأثرين بعِظاته وتعاليمه ، يُؤسِّسهم على الإيمان بالله والقداسة في المسيح .
فصارت هذه الطغمة تُعد بعشرات الآلاف ، لذا أحس القديس أثناسيوس أنه يمُتْ إلى هذه الطغمة بصلة وثيقة فوضع نفسه على رأسها يهتم بها ويرعاها ، وصارت الحياة البتولية والعذراوية تزداد إنتشاراً ، حتّى أنَّ الكنيسة سمحت بأن تُقيم العذارى في بيوت عائلاتهِن في أماكن مُخصَّصة داخل البيت ، أو يعِشن في بيوت خاصَّة لهُن ... حيث يُشرِف عليها الأسقف بنفسه ، وكان البطريرك يكتُب لهُن توجيهات خاصَّة .
ويُخبِرنا القديس چيروم المُؤرِخ الكَنَسِي بأنَّ القديس أثناسيوس الكبير عالج موضوع البتولية مراراً كثيرة ، ووصلنا الكثير من عِظاته ومُؤلِفاته عن البتولية ، بعضها ثبت بصفة مُؤكدة إنها بقلمه أو من أقواله ، والبعض الآخر لا يزال العُلماء يدرسونه .
وكذلك اكتُشِفت شذرات كثيرة من كِتاباته باللُغات القبطية والسريانية عن حياة البتولية .
وفي كِتابات القديس أثناسيوس السكندري الموثوق بها نقرأ الكثير عن قوانين العذارى وصلوات لهُن تُقال في مُناسبات كثيرة وفي الأغابي التي تصنعها العذارى، وعمَّا يجب أن يكون عليه سلوكِهِنْ وسيرَتِهِنْ .
ومن الإصطلاحات المأخوذة عنه اعتبار الرهبنة ” طقس ملائكي “ وأنَّ ” العذارى هُنَّ عرائِس المسيح “ وأنهُن ” ختمنَ عقداً مع المسيح إلى الأبد “ ويُعتبر البابا أثناسيوس أنَّ البتولية ” موهبة إلهية “ ويُسمِّيها ” غِنَى الكنيسة “ فهي ” عطية البذل المحفوظة لله “ ويرى أنَّ ” العذراء تعيش حياة غير مائتة في جسد مائِت “ .
وبحسب نظريته اللاهوتية العميقة نجده يصِف البتولية بأنها علامة الديانة الصحيحة لأنَّ الديانة الحقيقية هي التي تُحبِّب البتولية إلى الناس خلافاً لغيرها فكان الهراطقة يكرهون البتولية ويُقبِّحونها .
ومن المفاهيم الروحية الأصيلة لمدرسة الأسكندرية اللاهوتية رؤيتها في السيِّدة العذراء الدائِمة البتولية نموذجاً ومِثالاً لحياة البتولية ، فتحدَّث عنها البابا أثناسيوس باعتبارها ” إيبارثينوس أي عذراء “ في مخطوطة عن البتولية ليظهر ببساطة أنها أصل الحياة النُّسْكية والنموذج الحي لها .
ويرى القديس أثناسيوس في إحدى شروحاته أنَّ ابن الله ربنا ومُخلِّصنا هزم الموت وحرَّر الجِنْس البشري من العبودية ومنحنا من بين هِباته العديدة نِعمة إمتلاك صورة قداسة الملائِكة على الأرض وهي البتولية ، لذلك تُلقِب الكنيسة المُقدسة العذارى اللواتي يملُكنَ هذه الفضيلة بلقب عرائِس المسيح .
كتب القديس أثناسيوس رسائِل إلى رُهبان ومُتوحدين ، من بينها الرسالة إلى الأب آمون والتي جاء فيها قوله الشهير : ” هناك طريقان للحياة : الأوَّل هو الزواج ، وهو المُعتاد والأكثر إعتدالاً ، والآخر هو البتولية ، وهو طريق ملائكي والأكثر كمالاً ، إن اختار إنسان طريق حياة العالم أي الزواج فإنه يكون حقاً بلا لوم ، ولكنه لم يَنَلْ ما يُمكن أن يناله من المواهِب التي في الطريق الآخر ، وإن هو أثمر أيضاً ، فإنه ينال ثلاثين ضِعفاً ( مر 4 : 20 ) أمَّا مَنْ يسلُك الطريق الآخر ، فإنَّ هذا الطريق المُقدس والسمائي لا زال له المواهِب الأسمى ، حتّى وإن كانت شاقة ومُضنية لاقتبالها ، مُقارنة بالطريق الآخر ، إذ تُعطي الثمر الأكثر كمالاً : مِئة ضِعْف “ .
وفي موكِب آباء الأسكندرية نتوقف عند القديس إيسيذروس الفرمي أو البيلوزمي )*( الذي قام بعمل مُقارنة بين الزواج والبتولية ، مُؤكِداً على أنه مثلما السماء أفضل من الأرض ، والنَّفْس أفضل من الجسد ، كذلك البتولية أفضل من الزواج ، مُعتبِراً أنَّ الزواج حَسَنْ لكن البتولية أحسن .
ويرى القديس إيسيذروس في حياة البتولية مثال الكمال المسيحي وتتميم جميع وصايا الله ، وكان يعتبِر يوحنَّا المعمدان نموذجاً ومِثالاً للحياة الرَّهبانية وللسلوك البتولي .
وهكذا تروي صفحات التاريخ السكندري الكَنَسِي سِيَر وحياة نماذِج كثيرة لقديسين اختاروا طريق البتولية حتّى بالرغم من زواجِهِم ، ذلك لأنهم قد أُجبِروا هم وزوجاتِهِم على الزواج رغم إرادتهم مع أنهم قد اختاروا هم ونساؤُهم حياة البتولية ... وهكذا تُصلي كنيستنا القبطية في القُداس الكيرلُسي ” وهبتني أن أشرب كأس دمك طاهراً أعطني أن أمتزِج بطهارتك سِراً “ .


الفصل الثَّالِث
البتولية عند الأقمار الثَّلاثة
عندما نأتي إلى الأقمار الثَّلاثة نلتقي بالقديس باسيليوس الكبير الذي سَنْ قوانين نُسكية ووضع نُظُمْ رهبانية ونهجاً فلسفياً مُتدرِجاً ، يرى فيه أنَّ اللذة الجسدية مليئة بالتعب وأنَّ الزواج يتعرَّض لشر العُقُمْ والترمُّل والزِنى ... ويصِف دعوة البتولية بأنها دعوة سيدية ولكنها ليست سهلة فقد يخور فيها الإنسان في رِحلته فيرتد إلى الوراء ... فالله بسط للبشر طريق الزواج وطريق البتولية ، ومَنْ يرغب في العيشة الملائكية ويرى أن يكون رفيق القديسين وواحداً من تلاميذ المُخلِّص ، عليه أن يدخُل بشجاعة وفرح بلا خوف ، ويبدِّل الخيرات المادية بالخيرات التي لا تزول فينال عِوَض كلّ شيء .
ثم يشترِط القديس في مَنْ يطلُب الحياة الرَّهبانية الحماس لأنه لا يختار هذه الحياة الصعبة مَنْ لم يملأ قلبه الإنجذاب إلى المسيح ومَنْ لم يُؤخذ بعِشقه ، ويعتبِر القديس باسيليوس أنَّ هذه الطريقة بمثابة وضع اليد على المحراث ، والسير في دروب الرب والإلتهاب به والاستشهاد اليومي .
ويرى بطريرك الكبَّادوك أنَّ غاية البتولية هي إصلاح الطبيعة التي فسدت وإرجاعها إلى حالتها الأولى ، وأنَّ حياة البتولية هي رجوع إلى الجمال القديم البهي والمثال الأوَّل الذي يُشبِه صورة الله بالتمام ، وأنَّ أساس هذه الحياة هو السماع لنِداء المحبة الإلهية وإلاَّ فسدت وضاع معناها الحقيقي .
وفي تناغُم فِكري مع بقية عموم الآباء يجد كلام القديس باسيليوس التوجيهي والتفسيري معناه الكامِل في رؤيته للزواج على اعتبار أنه من أقدس ما في حياة الإنسان ، يحمِل في طياته معاني العطاء ، لكنه يميل إجمالاً إلى حياة البتولية والتكريس الكامِل كإختيار مبدئي حُرْ ، إذ أنَّ وجه هذا العالم في تغيُّر والزمان قصير والذين لهم نِساء يكونون كأنَّ لا نِساء لهم ، ومَنْ يُريد أن يتبع الله حقاً ينبغي أن يترك كلّ إرتباط بهذه الحياة ... وإذا كان الزواج مُباحاً إلاَّ أنه من الصعب الجمع بين الإهتمام فيما للرب والإهتمام فيما للزواج ( 1كو 7 : 32 ) .
والقديس باسيليوس أسقف قيصرية – مهما يكُن من أمر – لا يزدري بالزواج ، إنما هو يدعوك إلى سلوك طريق أكمل يُرضي الله ، واتباع طريق الكمال بالتخلي عن أفراح الزواج لخدمة الله وحده ، ومع ذلك يقِر بالزواج كدعوة إنسانية ذات وجود أساسي .
وعلى أيَّة حال فإنه يعتبِر أنَّ الرُّهبان والمُتبتلين هم النِفوس العطشى إلى اتباع خُطَى المسيح ، وأنَّ حياتهم هي الأضمن والأكثر كمالاً للإقتداء بالسيِّد المسيح ، وهي تجسيد واقعي للنمط الحياتي الذي عاشه المسيح على هذه الأرض .
وفي عِظة القديس إغريغوريوس النزينزي عن الجليل في القديسين باسيليوس الكبير نجده يتحدَّث عن بتوليته فيقول في تأبينه : ” عظيمة هي البتولية والإنتظام مع الملائِكة ذوي الطبيعة البسيطة وأخشى أن أقول والإنتظام مع المسيح ، الذي لمَّا شاء أن يُولد لأجلِنا وُلِدْ من بتول فاشترع البتولية لكي تنقِلنا من ههُنا وتفصلنا عن العالم أو بالأحرى تجعلنا ندوس العالم لأجل العالم الآخر ، الحاضِر لأجل الآتي، فَمَنْ أكرم البتولية أكثر من باسيليوس ومَنْ سَنَّ القوانين لضبط الجسد أكثر منه ؟ فهو الذي أنشأ ملاجِئ العذارى ووضع القوانين التي تحِث على البتولية الصادِقة ... وجعل الجمال داخلي من الأمور المنظورة إلى الأمور الغير منظورة وكشف قلبه لله الذي هو وحده عريس النِفوس الطاهرة والذي يُدخِل معه النِفوس الساهرة إذا ما أتت لمُلاقاته بمصابيح مُضيئة ومؤنة وافرة من الزيت “ .
وعندما نأتي إلى القديس إغريغوريوس النزينزي الذي يروي عنه التاريخ على لسانه أنه منذ أن أخذ يحِس بالتمييز بين الخير والشر هام بحُب التبتُّل ، فعندما كان في السَّابِعة من عُمره ، رأى في حُلْم أنَّ هناك سيدتين جائتا إلى جِوار فِراشه ، وهما ترتديان ثياباً بِيض وعلى وجهيهِما حِجاباً لم يخفي جمال أعينهُما ، وأخبراه أنَّ اسميهِما هما ” النقاوة والعِفة “ ، وأنهما رفيقتا يسوع ، وأمرتاه أن يصحبهُما ويشترك معهما ثم اختفتا ، وكان لهذا الحُلْم عميق الأثر في شخصية إغريغوريوس .
لذلك أحبَّ القديس إغريغوريوس الإنشغال كُلِّيةً بالله فلا شيء عِنده يُساوي حال إنسان أقفل أبواب حواسه عن المُثيرات الخارجية ، مُشيراً إلى جمال الطهارة البتولية مُستنِداً إلى تعليم بولس الرَّسول الذي بيَّن فضل الزواج والبتولية ، وإلى ولادِة الرب يسوع من عذراء لكي يُشرِّف الولادة ويجعل البتولية فوقها قدراً .
أمَّا القديس يوحنَّا فم الذهب بطريرك القُسطنطينية فقد أحبَّ الحياة الملائكية وعَشَقْ البتولية ... وكَشَفْ لنا نِعمة الله الغنية العاملة في السلوك البتولي مُدعِماً بحياته الذهبية فمه الذَّهبي ، فهو لم يختار حياة البتولية تفضيلاً لحياة على الأخرى ، بل أراد أن يضبِط شهواته وينال من السيِّد المسيح إكليلاً ويعيش بالفرح والسلام مُكمِلاً حياته بالنِعمة والتعزية .
وفي مقالته ” مُقارنة بين الملِك والراهب “ يسجِل أحاسيسه النُّسكية الصادِقة مُتحدِثاً عن السمائيات وطغمات القديسين وربوات جماعات البتوليين الذين هدموا طُغيان الشيطان ليبشَّروا بملكوت المسيح وبهاء مجده .
وعندما اعتبر بعض المسيحيين أنَّ البتولية ضرب من الجنون ، وقامت حملات عنيفة ضد النُّسْك الرَّهباني ، كتب ذهبي الفم كُتُباً ثلاثة يُدافع فيها عن جمال البتولية، مُقدِماً الردود التي تُبرِز بهاء البتولية .
ويعتبِر القديس يوحنَّا ذهبي الفم أنَّ البتوليين يُشكِّلون مُعسكر المسيح وجماعات القُوَّات العَلَوِية باعتبارهم القطيع الملوكي ، الذين يقتاتون بأقوال الله ويحومون كالنحل حول الكِتاب المُقدس ، ويتغذون بطعام كُلي السمو .
ومن بين المقالات التي كتبها ذهبي الفم أفرد مقالاً للحديث عن البتولية جاء في جزئين :
الجزء الأوَّل : يُهاجِم فيه الهراطِقة الذين يحتقرون الزواج .
الجزء الثَّاني : يُقدِّم فيه الرؤية المسيحية للبتولية ، وكيف أنَّ غير ” القادرين على الخوض في معارِك البتولية من أجل الملكوت “ لا يُكرسونها ، مُوضِحاً أنَّ الزواج صالِح لكن البتولية أفضل .
شجَّع القديس ذهبي الفم بيوت العذارى والمُتبتِلات اللائي تحولنَ في رجاء صالح إلى طيور روحية مُنطلِقات نحو المسيح ، وحثَّهُنْ على تركيز حُبِّهُنْ في أعمال الرب ، لأنَّ السيِّد نفسه يُفضِّل العطاء فوق البتولية ويقبل الذين غلبهم العطاء بمجد عظيم ، ويدعوهم ” مُباركي أبي “ ... لذلك يرى أنَّ الصدقة أكثر أهمية من البتولية.
وكتب القديس رسائِل إلى عذارى ورُهبان ينصحهم أن يُبقوا كما هم في عذارويتهم على اعتبار أنَّ دعوات أولاد الله مُتنوعة وهم يعيشون مواقِف تتناسب مع دعواتهم وقامتهم واستجابتهم لعمل نِعمة الله معهم ، فيُؤكِد ذهبي الفم على أنه كما لا يُسمح قط للبتول المُكرَّسة أن تتزوج ، لأنَّ عريسها حي دائماً ولا يموت ، كذلك لا يُسمح للمُتزوجة أن تتكرَّس إلاَّ بعد موت زوجها .
ويتفِق القديس يوحنَّا فم الذَّهب مع عموم الآباء في أنَّ البتولية هي حياة فهم الإنجيل وأنها نِعمة وموهبة خاصَّة من الله كعطاء مُتبادِل للشخص كلّه بما فيه الجسد ، فيقول : ” كان هناك سببان لتأسيس الزواج ... الحياة بعِفة وولادة البنين “ وهو بهذا لم يُنقِص من قيمة الزواج كسِرْ ، ويذكُر أيضاً في إحدى عِظاته أنه يوجد في أنطاكية 3000 عذراء يخدمنَ الكنيسة ، مِمّا يُدلِّل على انتشار البتولية في تمام مضمونها الجسدي والروحي .
وفي تفسير ذهبي الفم للآية ” وأمَّا العذارى ليس عِندي أمر من الرب فيهِنَّ ولكني أُعطي رأياً كَمَنْ رحمه الرب أن يكون أميناً “ ( 1كو 7 : 25 ) يعتبِر أنَّ ما جاء بها نصيحة من القديس بولس الرَّسول وليس وصية من الرب ، حتّى إذا خالف أحد هذه الوصية لا يكون مُتعدياً على وصية الرب ... ومَنْ نفِّذها يكون قد عمل عملاً حسناً ، فهو يُقدِّم نصيحة دون أن تكون وصية ، مُمتدِحاً البتولية ، ومَنْ يقبل نصيحته ينتفِعْ بها ومَنْ لا يقبلها لا يكون قد تعدَّى وصية إلهية .
ويعتبِر القديس يوحنَّا أنَّ البتولية في ذاتها ليست خيراً أو شراً ، لكن يجب أن تتحوَّل إلى طاقات حُبْ لله وخدمته والشهادة له .
ويُؤرِخ ذهبي الفم لتاريخ البتولية في كِتاباته باعتبار أنه لم يكُن هناك موضِع للبتولية في العهد القديم ولا في شرائِعه ولا في المثاليات التي عاش بها رِجاله وقديسوه ، لكن الله لم يعدِم الوسيلة التي يُمهِّد بها للبتولية لتأخُذ وضعاً مُتميِزاً قبيل ظهور السيِّد المسيح مُباشرةً .
ونستطيع القول أنَّ كلمة ” البتولية Παρθενια “ غريبة على المُجتمع البشري ، لم تظهر إلاَّ في زواياه الخلفية بعيداً عن الأنظار ولم تَنَلْ تكريماً أو اعتباراً عند الناس والمُجتمعات سواء في الفِكْر اليوناني أو بين اليهود ، ويقول ذهبي الفم : ” البتولية لم تكُن معروفة في الشريعة القديمة أي الناموس ، ولم ينطِق أحد من القُدماء بهذا الاسم على فمه “ ويُكرِّرهذا المعنى في تفسيره لإنجيل متَّى ( عِظة 1 : 5 ، 78 : 1 ) .
لذلك يرى فم الذَّهب أنَّ كلمة البتولية دخلت في قاموس الجِنْس البشري بميلاد المسيح من عذراء ، وأكَّد رب المجد قيمتها العالية حينما نطق بهذا القول : ” يوجد خِصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات “ ( مت 19 : 12 ) وجاء بولس الرَّسول يعيشها ويُوصي بها للمُؤمنين ( 1كو 7 : 25 – 40 ، 9 : 5 – 15 ) .
ويقول ذهبي الفم ” ما إن ظهر الله للعالم مولوداً من عذراء حتّى بدأ الإنسان يعرِف مُمارسة هذه الفضيلة “ .
ويُعرِّف البتول أنه – رجُل كان أم عذراء – استبدِل الحنين للجسد الآخر بالإلتصاق بالرب في عِشْق إلهي ( 1كو 6 : 17 ) والبتول اتسع حضنه ليحوي الخليقة كلّها عِوَض الإنحصار في أُسرة واحدة وبنين لا يزيد عددهم عن أصابِع اليد ، فالبتولية من أجل الله شيء ليس من هذا العالم بل غِنَى للعالم ووفرة مُضافة لحساب البشرية .
وامتدح البوق الذَّهبي بعقله السمائي الحياة الرَّهبانية باعتبار أنَّ البتولية أحد نِذورها فكتب عنها شارِحاً أنَّ الله يجد فيها جيشه المُهيأ للحرب وكتيبته المحفوظة للأعمال المُقدسة ، موكِبه الشَرَفِي ، وطغمته المُشيدة له بالمدائِح ، وأهل بيته الجاثين عند قدميه ، وجنوده البواسِل .
أكَّد القديس على أنَّ النِفوس المدعوة للبتولية إنما هي مدعوة إلى كمال أعظم وإلى حياة سمائية وإلى ترك الأرض لأجل السماء والوقت لأجل إكرام الأبدية ، مُعتبِراً أنَّ حياة البتولية شهادة إنجيلية وكمال إنجيلي وحياة جميلة شريفة ، أمَّا عن موت المُتبتلين والرُهبان ، فيقول أنَّ موتهم هو انتصارهم وهو الساعة التي يعظُم فيها فَرَحهم ، إنه وقت سفرهم وظهور عَظَمَتهُم .
وعن تأثير الرُهبان والمُتبتلين يقول : ” لمَّا أسَّس الله بالمشورات الإنجيلية هذه الحياة كان في عزمه أن يجعلها كتيبة شَرَفه ومجد كنيسته وإكليل المسيحية ، بيد أنه لم ينسانا نحن أيضاً بل أعطانا هذه الطغمات إنارة وسَنَداً ومِثالاً “ .
وفي عِظته التي يمدح فيها الشهيدة الأولى تكلة أبرز مفاهيم روحية ثمينة عن بتولية هذه القديسة مُعتبِراً أنَّ بتوليتها صارت لها استشهاداً دائماً بمُكافحتها للذة الجسد كما في مُكافحة الوحوش الضارية ، وفي ثباتها أمام حرب الأفكار كما أمام العذابات ، وفي انتصارها الباطني أمام ضرورات الطبيعة كما أمام النيران .
وامتدح فم الذَّهب الشهيدة تكلة التي قهرت طبيعتها وحافظت على طهارة بتوليتها وارتباطها بالعريس السمائي وحِيازتها إكليل البتولية ، وفي معرض هذا الحديث يقول القديس يوحنَّا : ” إني لا أطعن في طبيعة الزواج لكن هناك اهتمام بالشئون الجسدية وعِناية بالشئون السمائية ، هناك الشيء الحَسَنْ وهناك ما هو أحسن منه “ ويعتبِر أنَّ تكلة الشهيدة البتول قد سبقت فتذوقت الخيرات المُستقبلية مُقدماً وشاركت في قداسة القيامة الأخيرة كما قال الرب ” إنهم في القيامة الأخيرة لا يُزوِجون ولا يتزوجون “ ( مت 2 : 30 ) .. فيا لسعادة العروس المُرتبِطة دوماً بالبتولية ، تلك التي ليس لها سرير عُرسي إلاَّ البتولية .
وأخيراً في تعليمه عن المريمات علَّم بوضوح عن دوام بتولية القديسة مريم واعتبرها نموذجاً ومِثالاً للمُتبتلين ، إذ يقول : ” نحن نجهل الكثير : كيف يوجد غير المحدود في رَحِمْ ، كيف يُحمل ذاك الذي يحمِل كلّ شيء وتلِده إمرأة ، كيف تلِد البتول وتبقى بتولاً ؟! “ .
الفصل الرَّابِع
البتولية عند الآباء السُريان
رأى القديس مارِأفرآم السُرياني قِيثارة الروح أنَّ مسكن البتولية هو الفِردوس مع الله والملائِكة ، فالبتولية استباق للحالة الفِردوسية ، ومُشابهة لله لا تظهر فقط في الكلام والعقل بل في الإرادة الحُرَّة ، هذه الحُرية التي غرست فِردوساً روحياً يفوق لمعاناً الجنة السمائية التي صنعها الخالِق .
وامتدح مارِأفرآم السُرياني موهبة وعطية البتولية بل كان مذهولاً بها ، مُعتبِراً أنها تُدخِلنا الفِردوس أكثر من الأسهار والأصوام ، وأنَّ صورة المسيح موضوعة في قلب البتوليين والبتولات ، فالمسيح حاضِر فيهم ، ويرى أنَّ يوحنَّا الإنجيلي هو عنوان طهارة فاقت بتولية الملائِكة .
ويتحدَّث مارِأفرآم السُرياني عن البتولية في الميمر السَّابِع )*( فيقول :
( إنَّ بولس الرَّسول يُعلِّمنا جميعاً عن بتولية النَّفْس وطهارتها ويحسب رُتبة البتولية أفضل وأغلى من رُتبة الحياة في العالم ، لأنه قال : ” إنَّ غير المُتزوج يهتم فيما للرب وأمَّا المُتزوج فيهتم للعالم كيف يُرضي امرأته “ ( 1كو 7 : 32 – 33 ) فذلك الاهتمام يُؤدي إلى العذاب وأمَّا هذا فيُؤدي إلى الحياة الخالدة .
فالطوبى لِمَنْ يهتم بأن يرى الله ويصون جسده طاهراً ليصير هيكلاً مُقدساً وطاهراً للمسيح الملك ... أيها الإنسان إنَّكَ باختيارك قد صِرتَ هيكلاً لله لا عن إلزام أو إكراه بل عن رغبة ونشاط ، وإذ صرت إنساناً للإله العلي عرفت بتدقيق أنَّ روح الله يسكُن في الهيكل ( 1كو 6 : 19 – 20 ) فإن كان طاهراً نقياً يُقدِّسه ( روح الله ) لكي يكون استعماله مرضياً لسيِّده ، اسمع ما أقوله لك واطبعه في ذِهنك : تمنطق وتدرَّع بالإيمان النقي الخالِص والرجاء والمحبة ، وقِفْ كالرجُل الشهم حافِظاً هيكل الله من جميع الأفكار النجِسة التي زرعها العدو ، إبذِل كلّ جهدك مُراقِباً على الدوام تجارِب العدو لأنها تتوالى باستمرار لتجد إنساناً مُسترخياً لكي تُفسِد جسده فلا يرغب فيما بعد أن يستمِع لسيِّده ، فاحذر أن تُدخِل تجارِب العدو عِندك ، أتجهل مَنْ هم المُحارِبون الخُبثاء ومُروجو الأفكار الدنِسة والشهوات الرديئة ، والغضب والاضطرابات والسخط والعبودية للأهواء ؟ إنهم المُجرِبون الأشرار الذين لا يكفُّون عن الشر ولا يشبعون منه ، وإذا غُلِبوا يُعيدون الكرَّة دائماً لأنَّ أصل الشهوة واقع ، فاقتلِع جذور الشهوة لئلاَّ تتجذَّر وتثبُت ، فإذا اجتزرتها ربوات من المرَّات تثبت بالقدر عينه مُضاعفاً إن لم تقلع الجذور تماماً ، جاهد حسناً لتكون هيكلاً لله لا دنس ولا عيب فيه ، إن هيَّأت هيكلك لله فالإله القدوس يُعطيك لراحتك عِوَضاً عنه في فِردوس النعيم ، احتفِظ بانتصارك على العدو أي الأفكار والأهواء الدنسة حافِظاً الهيكل المُقدس ليكون بهياً لله ومقبولاً قبولاً حسناً ، إنتبه لذاتك لئلاَّ تدخل وتُقتبل في الهيكل ، عِوَضاً عن السيِّد القدوس الطاهر ، العدو النجِس فيفسد هيكلك بوقاحته ، ويُزاحم ليدخل ، وأمَّا الله فإنه غير سقيم بل طاهر وقدوس لا يبتعد عنك إنما أنت تطرده ، فإذا أدخلت الدنس وتمرغت في الحمأة ، وفقدت النور واشتركت في الظُّلمة بسبب تراخيك أسلمت ذاتك إلى العدو النجِس .
إنَّ الإله القدوس رضى بأن يسكُن في هيكلك على الدوام وأمَّا أنت فأحزنت السيِّد الصَّالِح الرب الذي لا يُشبع منه والتائِق إلى أن يُعطيك مُلْكه لأنَّ الله يسكُن في الصَّائرين هياكِل طاهرة لا عيب فيها ، فإن وددت أن يسكُن الله دائماً في هيكل جسدك كلّ أيامك التي تعيشها على الأرض فهو يسكُنك ويُريحك في فِردوسه ، في النور الذي لا يُوصف والحياة التي لا تموت إلى أبد الدهور في فرح عظيم .
أتراني قد سمعت بهذا وقرأته : ” يوماً واحداً في دِيارك خير لي من ألف “ ( مز 83 : 11 ) افتح قلبك وارتضِ أن تشتاق إلى الله كلّ أيام حياتك ، إنه حلاوة واستنارة وفرح دائم فإن صبوت دائماً إلى الاشتياق إلى الله يسكُن هذا فيك إلى الأبد، الله غيور وطاهر قدوس يُقيم في نِفوس الذين يتقونه ويصنع مُراد الذين يحبونه ، أتوِد أن تكون طاهراً لا عيب فيك ؟ إذاً ارسم أيقونته دائماً في قلبك ، وأعني بأيقونة الله لا تلك المرسومة بالأصابِع على ورقة أو خلافها بل تلك المُلونة في النَّفْس على منوال باهر بالأعمال الحسنة والأصوام ، بالإمساك وصُنع أعمال الفضائِل الحسنة والأسهار والصلوات ، فأصباغ صورة السيِّد السمائي هي مُمارسة الفضائِل والأفكار النقية والتجرُّد من الأرضيات مع الطهارة والوداعة ، إذ بدون الجهاد لا يُكلَّل أحد في العالم وفي الحياة النُّسْكية لا يُمكن أن ينال أحد الأكاليل التي لا تذبُل والحياة الخالدة بدون صبر واجتهاد .
أطلُب منك يا أخي المحبوب أن تصير مُشابِهاً للآباء السالكين في البتولية الطاهرة والنُّسْك ، في الصلاة والصوم ... أحبِبْ النُّسْك وتُقْ إلى الصلاة التي هي مُخاطبة السيِّد لأنَّ كلّ صلاة مُقدسة ونقية تُخاطِب السيِّد ، إنَّ صلاة المُشتاقين كُلّياً إلى الله ترتقي إلى السماء باستمرار وفرح عظيم وتبتهِج بها الملائِكة ورؤساء الملائِكة ويرفعونها إلى عرش العلي القدوس حينئذٍ يكون السرور إذ يُقدِّمون لله صلوات الصِّدِّيقين ) .
أمَّا القديس يعقوب السروجي فقد تحدَّث في ميمره الثَّامِن والثَّلاثين عن البتولية )*( التي يرى أنها طريق مُرتفعة فوق الإرتفاع وتحت قدميها كلّ ارتفاعات العالم فهي التي تباهى بها آدم قبل أن يأكُل من الشجرة ، وأيضاً في هذه الدرجة المجيدة المُرتفِعة المُمتلِئة حُسناً عاشت حواء قبل أن تغويها الحيَّة ، فالبتولية هي درجة الكمال ، وهي تسير مع الملائِكة في الأعالي فوق العالم ، فهي بجناحاتِها العظيمة ترتفِع فوق العالم ولا تطلُب شيئاً منه ، لا تهتم قط ببنين أو بنات بل تُحِب الاسم الحَسَنْ وتفتخِر به ...
ويرى القديس أنَّ هذا العالم ليس موضِع البتولية بل مكانها بين الملائِكة ، أمَّا عن نظرِة القديس للبتولية والزواج فتتضِح من قوله : ” إنَّ مَنْ يثبُت في البتولية هو من الروحانيين ، أمَّا الذي يسير في طريق المُتزوجين فهو من القديسين “ ، ويصِف الإنسان البتول بأنه قائِم مع صفوف الملاك غُبريال ، أمَّا المُتزوِج فهو مُتكِأ مع إبراهيم .
ويُقدِّم مارِيعقوب العذراء القديسة مريم كأعظم مِثال على البتولية ، فقد حَلَّ الله الكلمة في البتول وأعطاها إكليل البتولية وبذا تعلَّمنا أنَّ البتولية هي أعظم طريق ودرب ، فليس هناك فضيلة تبلُغ عِظَم البتولية ، ورب المجد يسوع عندما اختار أن يحِلْ في بتول أوضح وأعلن أنه يُحِب البتولية .
فالبتولية هي زهرة مُرتفِعة في السماء بين الملائِكة ، وليس أعلى منها إلاَّ الأزلي الذي صوَّر فيها مِثاله حين خَلَقه ، وهي رأس جميع الفضائِل ...
والبتولية أولاً ورثت شجرة الحياة ( حواء وآدم قبل السقوط ) .
البتولية أهِّلِت للفِردوس ( بالعذراء مريم ) .
البتولية إتكأت على صدر ابن الله وتعلَّمت منه الأسرار الخفية عن التلاميذ ( القديس يوحنَّا الحبيب ) .
البتولية حرَّكت الأرض والسماء ( إيليا النبي ) .
البتولية مهِّدت الأرض لبشارة الملكوت ( القديس يوحنا المعمدان ) وهي عروس الملك المخطوبة له لتفرح معه ، ولها ينظُر ويُري حُسنها وبهاءها لملائِكته ، فقد تركت الزواج وخُطِبَت إلى غير المائِت لِتُزَفْ إليه هو الخَتَنْ الحقيقي ، وعريس البتولية يأتي عندما تنحل السماء والأرض ويقوم الموتى من قبورِهِم ويُسمع الصوت القائِل ” هوذا العريس قد أقبل فاخرُجنَ للقائِهِ “ حينئذٍ ترفع البتولية رأسها لاستقبال العريس ، وفي العُرس تفرح بالعريس المُتكِئ مع القديسين ، ويفرح بها العريس لأنها صعدت من الجهاد الصَّالِح البَّار ، ويضع لها أكاليل النور البهي المجيد ، وهناك تفرح لأنها جازت من العالم وباحتراسها ازدرت به هناك تُسَرْ لأنَّ جوهرتها لم يسرقها اللصوص ، هناك تفرح وتتهلَّل سفينتها المُتعبة من الجهاد لأنها لم تتحطَّم بين أمواج العالم الشرير ، ففي ذلك العُرس ترتفِع رأس البتولية لأنها كانت تنتظره ولأجله تركت عنها كلّ مسرّة جِسدانية ، فمن أجل مجد العُرس الأبدي بغضت كلّ مجد باطِل ، ومن أجل فِراش النور الغير ملموس رضيت أن تُبغِض فِراش المُتزوجين .
وبعد يعقوب السروجي جاء يوحنَّا الدِمشقي ليكتُب مقالته )*( والتي يرُد فيها على هؤلاء الذين يرفضون البتولية مُستشهدين بما كُتِبْ في ( تث 25 : 9 ) ” ملعون كلّ مَنْ لم يًقِمْ نسلاً في إسرائيل “ ، ويرُد عليهم بأنَّ الله الكلمة تجسَّد من عذراء بتول ، والبتولية في طبيعة البشر لأنَّ الله جَبَلْ الإنسان من أرض بتول ، وخلق حواء من آدم وحده ، وكان كلاهما يحيان في بتولية في الفِردوس ، والكِتاب المُقدس يقول أنَّ آدم وحواء كانا عُريانين وهما لا يخجلان ( تك 25 ) ولمَّا تجاوزا الوصية علما أنهما عُريانان ولخجلهِما خاطا لهما مآزِر ، وبعد المعصية ، لمَّا سمع آدم القول الإلهي : ” أنت تُراب وإلى التُراب تعود “ ( تك 3 : 19 ) ودخل الموت إلى العالم ، حينذاك عرف آدم حواء امرأته فحملت وولدت ، ولكي لا ينقرِض جِنْس البشر بالموت ، بدأ الزواج ليستمر جِنْس البشر في الوجود بولادة الأولاد .
ويُواجِه الكاتِب اعتراضاً آخر ، ذلك أنَّ البعض ربما يقولون : ” لماذا إذاً أرادهما الله ذكراً وأُنثى ( تك 1 : 27 ) ولماذا قال لهما أنميا واكثِرا ( تك 1 : 28 ) “ ويُجيب على هذا التساؤُل شارِحاً أنَّ عبارة ” أنمِيا واكثِرا “ لا تدُل حتماً على التكثير بواسطة العلاقة الزوجية ، لأنَّ الله كان قادِراً على إكثار الجِنْس بطريقة أخرى لو أنهما حفظا وصيته حتّى النهاية ، ويرى يوحنَّا الدِمشقي أنَّ الله إذ كان يعلم بسابِق معرفته – وهو العالم بكلّ الأمور قبل أن تكون – أنهما سوف يسقُطان في المعصية وأنه سوف يُحكم عليهِما بالموت لذلك سبق فخلقهُما ذكراً وأُنثى وأمرهُما أن ينميا ويُكثِرا .
ثم يُورِد أمثلة كِتابية عن عظمة العِفة والبتولية ، فإيليا قائِد المركبة النَّارية عبر السماء كان بتولاً ، وأعظم شاهد على ذلك هو ارتقاؤه إلى السماء ، ويتساءل الدِمشقي ” مَنْ أغلق السموات ؟ مَنْ أقام الموتى ؟ مَنْ فلق نهر الأُردُن ؟ أليس إيليا البتول ؟ وأليشع تلميذه ، ألَمْ يُظهِر فضيلة مُساوية لفضيلته عندما سأل فأُعطِيَ نِعمة روحه ضِعفين ؟ “ .
ويُورِد أيضاً مِثال الفِتية الثَّلاثة الذين تدرَّبوا على البتولية فانتصروا على النار ، لأنَّ أجسادهم صارت مع البتولية بعيدة عن النار ، وكذلك دانيال المُتقوي بالبتولية ، لم تقرُبه أنياب الوحوش ، والله نفسه كان إذا سيتراءى للإسرائيليين يأمرهم أن يحفظوا الجسد نقياً طاهراً ، وكان الكهنة يتعففون قبل ذهابهم للخدمة وتقديم الذبائِح .
وشرح أنَّ البتولية سيرة الملائِكة ، ويستدرِك ليوضح أنَّ هذا ليس إحتقاراً للزواج لأنَّ الرب في حضورة العُرس بارك الزواج ، ولأنه مكتوب ” ليكُن الزواج مُكرَّماً عند كلّ واحد والمضجع غير نجسٍ “ ( عب 13 : 4 ) ولكن البتولية أحسن مِمّا هو حَسَنْ ، فالفضائِل درجات ومراتِب ، ويشرح باسلوب حكيم : ” نعلم أنَّ البشر جميعاً ثمرة الزواج عدا أبوينا الأولين اللذينِ هما جَبَلِة البتولية لا الزواج ، لكن ، كما قُلنا ، طالما أنَّ عدم الزواج هو شِبْه بالملائِكة ، إذاً البتولية هي أكرم وأسمى من الزواج بقدر ما يسمو الملاك عن الإنسان “ .
ويُعلِن يوحنَّا الدِمشقي أنَّ المسيح نفسه فخر البتولية علَّم عن البتولية بولادتِهِ من بتول ، فحقَّق في نفسه البتولية الحقيقية الكاملة ، ومِنْ ثمَّ لم يُوصِنا بها وهو القائِل : ” ليس الجميع يقبلون هذا الكلام “ ( مت 19 : 11 ) بل علَّمنا إيَّاها بعمله ومنحنا القُوَّة في سبيلها ، ” ومَنْ ذا الذي لا يرى البتولية مُعاشة اليوم بين البشر ؟ “ .

مراجِع الباب الأوَّل
1) أسد رُستُم : آباء الكنيسة في القرون الثَّلاثة الأولى – منشورات النور .
2) الأب ألياس كويتر المُخلِّصي : القديس باسيليوس الكبير – المكتبة البوليسية.
3) ----------------- : خطيب الكنيسة الأعظم القديس يوحنَّا ذهبي الفم – المكتبة البوليسية .
4) ----------------- : مراقي الكمال الرَّهباني – منشورات الرَّهبنة المُخلَّصية .
5) أنطون فهمي چورچ : القديس إيسيذروس الفرمي ( أدب الرَّسائِل المسيحي ) – سلسلة آباء الكنيسة – أخثوس ΙΧΘΥΣ .
6) ----------------- : القديس يوستين الشهيد والآباء المُدافِعون ( الأدب الدفاعي المسيحي ) – سلسلة آباء الكنيسة – أخثوس ΙΧΘΥΣ .
7) ----------------- : العلاَّمة ترتليان الأفريقي ( من آباء أفريقيا ) – سلسلة آباء الكنيسة - أخثوس ΙΧΘΥΣ .
8) اسبيرو جبور والأب أفرآم كرياكوس : القديس أفرآم السُرياني ( مُختارات نُسكية وزُهدية ) – مُطرانية الروم الأرثوذُكس باللاذِقية .
9) يوحنَّا الدِمشقي : المِئة مقالة في الإيمان الأُرثوذُكسي – تعريب الأرشمندريت أدريانوس شكُّور – سلسلة الفِكْر المسيحي بين الأمس واليوم – منشورات المكتبة البوليسية .
10) القديس مارِيعقوب السروجي : مواعِظ السروجي – مطبعة مصر بالفجالة .
11) Constantine N. Tsirpanlis: Introduction to Eastern Patristic Thought and Orthodox Theology, Theology and Life Series, Michael Glazier Book.
12) Francis X. Murphy: The Christian Way of Life, Message of The Fathers of the Church.
13) Maurice Wiles & Mark Santer: Documents in Early Christian Thought, Cambridge University Press.


الباب الثَّاني
كِتابات الآباء عن البتولية

الفصل الاول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الربع
الفصل الخامس
الفصل السادس

القديس ميثوديوس ” وليمة العشر عذارى “
القديس كبريانوس ” ثِياب العذارى “
القديس إغريغوريوس النيصي ” عن البتولية
القديس أمبروسيوس ” عن البتولية
القديس چيروم ” الرَّسالة إلى أستوكيوم “
القديس أُغسطينوس ” عن البتولية


الفصل الأوَّل
القديس ميثوديوس الأوليمبي
” وليمة العشر عذارى “
THE BANQUET OF THE TEN VIRGINS
فكرة كِتاب ” وليمة العشر عذارى “
إذ كان ميثوديوس أديباً بارِعاً وكاتِباً ماهراً لذلك عندما أراد الحديث عن البتولية لم يكتُب كِتاباً عادياً تتوالى فيه الفقرات والأفكار ، بل صاغ فِكره في قصة كتبها هو وقدَّم تعليمه على لسان بَطَلاَتِها ....
وتروي القصة أنَّ إحدى العذارى جاءت لزيارته ( ويستخدم لنفسه اسم يوبوليوس Euboulios ) كي تُخبِره بما حدث في الوليمة العظيمة التي أقامتها أريتي Arete ( من بطلات القصة واسمها يعني في اليونانية ” الفضيلة “ ) لعشر من العذارى ، فيطلُب يوبوليوس ( ميثوديوس ) منها أن تقُص عليه ما حدث ، فتبدأ تروي له نقلاً عن إحدى العذارى اللائي حضرنَ الوليمة وحكينَ لها ، والعشر عذارى هُنْ :
مارسيلاَّ
Marcella
ثيوفيلاَّ
Theophila
ثاليا
Thaleia
ثيوباترا
Theopatra
ثالوسا
Thallousa
أجاثي
Agathe
بروسيلاَّ
Procilla
تكلة )*(
Thekla
توسيان
Tusiane
دومينيا
Domnina

وروت هذه العذراء أنهُنْ وصلنَ إلى مكان أريتي بعد أن سِرْنَ في طريق طويل شاق ومُتعِب ( طريق الجهاد لاقتناء الفضيلة ) ثم وصلنَ فاستقبلتهُن أريتي بفرح عظيم وقبلتهُن بسرور ، ووصفت العذراء المكان بأنه كالفِردوس بسبب عِظَمْ جماله ، ثم طلبت منهُمنْ أريتي أن تتحدَّث كلّ واحدة عن البتولية ، وبدأت كلٍّ منهُنْ حديثها لتتناول الموضوع من زاوية مُعيَّنة ، وهكذا هيأ القديس ميثوديوس لنفسه السبيل لتقديم رؤية مُتكاملة عن البتولية ، باسلوب شيِّق وجذَّاب ، وإن تعرَّض أحياناً لموضوعات أخرى مثل الهراطِقة .... وفي خِتام الوليمة تطلُب أريتي من العذارى أن يسبحنَ ويشكُرنَ الله وأن تتولّى تكلة قيادة هذا الخورس ، فكانت هذه التسبحة العميقة التي ترجمناها كما هي ( في نهاية الفصل ) .
سِمات الكاتِب الاسلوبية والفِكْرية
1. كِتابي إنجيلي
فنجد كِتابه ملئ بالاستشهادات الكِتابية من العهدين القديم والجديد ، وكثيراً ما يذكُر الآيات عن ظهر قلب دِلالة على عُمقه الكِتابي ، وقد ذَكَرْ الكثير من النصوص الإنجيلية التي تتحدَّث عن البتولية والعِفة ، سواء التي تتحدَّث عنها صراحة أو بالرمز ، كما يأخذنا من العهد القديم إلى العهد الجديد ومن القديم إلى الجديد ببراعة فائِقة .
2. يستخدم المنهج الرمزي
فمع أنه يعيب على أوريجانوس استخدامه للمنهج الرمزي ، إلاَّ أنه استخدمه في تفسير الكِتاب المُقدس ، ويبدو أنه لم يكُن يرفُض المنهج الرمزي نفسه ، بل كان يرفُض الإفراط فيه لدرجة إغفال المعنى الحرفي تماماً ، ومن أمثلة منهجه الرمزي:
الصفصاف ( مز 137 ) رمز للبتولية .
القِيثارة التي عُلِّقت عليه رمز للجسد البشري .
أنهار بابِل رمز لتيارات الشهوات والأهواء .
السَّوسَنْ ( في نشيد الأنشاد ) رمز للبتولية .
امرأة سِفْر الرؤيا رمز للكنيسة .
طِفلها رمز للإنسان الذي يُولد في جُرْن المعمودية .
بجانب رموز أخرى عديدة .
3. مُتمكن من ناحية اللُغة اليونانية
ويُجيد توظيف الكلِمات واستخدام الكلِمة الواحدة بأكثر من معنى ، ففي حديثه عن المزمور ( 137 ) ” على أنهار بابل هناك جلسنا ... “ استخدم كلمة ” ارغانون Αργανον “ أولاً بمعنى ” قِيثارة “ ثم استخدمها ثانيةً بمعنى ” الجسد “، ويقصِد به هنا نظام الجسد الإنساني الطبيعي الفيزيائي ، وهذا الاستخدام المُزدوج يتوافق مع الفِكْر الذي يُريد أن يُقدِّمه ، فقد شرح في هذه الفقرات أنَّ القيثارة رمز للجسد الذي نُعلِّقه على شجرة الصِّفصاف التي هي البتولية ، فهو يرى أنَّ القيثارة رمز للجسد ولعلَّ هذا هو السبب الذي جعله يستخدم كلِمة واحدة لكليهِما ، تلك هي ” على أنهار ارغانون Αργανον “ .
وفي تحليله اللُغوي لكلمة بتولية ، يقول أنَّ كلمة ” بتولية “ بتغيير حرف واحد تصير ” إلهية “ فكلمة ” بتولية “ في اللُغة اليونانية هي ” Παρθενια “وبحذف حرف واحد وهو ألـ ” ν “ تصير ” Παρθεια “ التي تعني ” إلهية “ .
4. استشهِد بهوميروس أكثر من مرَّة
فنجده في أوِّل صفحة من كِتابه يذكُر مقطع من هوميروس ، وفي معرض حديثه عن شجرة الصِّفصاف يقول ” كما أوضح هوميروس أيضاً ولهذا السبب قال أنَّ شجرة الصِّفصاف بلا ثمر “ ، ويذكُر في حديثه سبعة أبيات من هوميروس .
5. مُتأثِر بأفلاطون
ففكرة وليمة العشر عذارى مُستعارة من عمل أفلاطون ” الوليمة Symposium “ ولكن ميثوديوس صاغ عمله بحيث يُقدِّم مُقابلة قوية بين الحِسْ الفلسفي الكاذِب وبين العِفة السماوية التي لهؤلاء الذين يذكُرهم الإنجيل ويصِفهم بـ ” أنقياء القلب “ والذين يحيون على الأرض على رجاء الدعوة والوعود الإلهية .
كما تأثَّر بأفلاطون في نظرية المُحاكاة Theory of Imitation فقد رأى أفلاطون أنَّ الصورة المرسومة ( مثلاً ) هي مُحاكاة للصورة الأصلية الطبيعية ، ولكن هذه الأخيرة هي مُحاكاة للصورة المِثالية الحقيقية ، وهكذا تكون الصورة المرسومة مُحاكاة للمُحاكاة Imitation of an Imitation ، بالمِثل رأى ميثوديوس أنَّ خيمة الاجتماع هي ظِلْ للكنيسة التي هي صورة للسماء ، فخيمة الاجتماع مُحاكاة لمُحاكاة الأصل ( الخيمة ، الكنيسة ، السماء ) .

عرض الكِتاب
البتولية والسلوك العذراوي
ينظُر القديس ميثوديوس للبتولية على أنها ” شيء عظيم فائِق عجيب ومجيد “ فهي جِذر الأبدية وأيضاً زهرتها وأُولى ثمراتِها ، ولكنها تتطلَّب طبيعة قوية تعبُر فوق بحر الشهوات وتُوجِّه سفينة الروح إلى أعلى بعيداً عن الأرض حتّى تعلو فوق العالم وتتأمَّل بنقاوة في الأبدية نفسها .
ويرى أنَّ البتولية مع أنها حياة على الأرض إلاَّ أنها ” وصول إلى السماء “ ، وأنَّ الذين اشتاقوا إليها ولكنهم لم يُفكِروا إلاَّ في نهايتها فقط حادوا عن الطريق الصحيح وضلُّوا بسبب قساوة عقولِهِم ، لأنهم لم يفهموا معنى السلوك العذراوي Virginal في الحياة ، وهنا يُوضِح القديس ميثوديوس أنَّ البتولية لا تعني فقط حِفْظ الجسد بلا دنس بل ” يجب أن لا نُفكِر في الهيكل أكثر من صورة الله “ ، وهو يقصِد بـ ” الهيكل “ الجسد ، وبـ ” صورة الله “ الروح ، فالروح تاج الجسد ويجب أن نهتم بها ونُزينها بالبِّر والتقوى ، ومتى فعلنا هذا تصير أجسادنا خادمة لأرواحنا ، عندما نُجاهد بلا كلل من أجل التمتُّع بالكلام الإلهي ، فتكون المُكافأة ” معرفة الحق “ .
ويُشبِّه القديس عمل وأثر التعليم الإلهي في القضاء على شهوات الجسد الغير عاقلة بالملح الذي يحفظ الطعام من الفساد ، فالنَّفْس ” التي لا تنثُر عليها كلِمات المسيح مثل الملح ، تفسد وتُنتِج دوداً ، كما صرخ داود النبي : قد أنتنت ، قاحت جروحي “ فهو لم يُملِّح نفسه بالتدريبات اللائِقة كي يُخضِع شهواته الجسدية ويُقمِعها ، بل انجذب لشهواته وأهوائه فسقط في الزِنا ..
ويُشير ميثوديوس هنا في حديثه عن الملح إلى سِفْر اللاويين وتقدمة القرابين ” لذا في سِفْر اللاويين لا تُقدَّم أي تقدِمة كقُربان لله ما لم تُملَّح أولاً بالملح “ .
والتأمُّل الإلهي في الكِتاب المُقدس هو الملح الذي أُعطِيَ لنا ، والذي بالرغم من ملوحته يُطهِّر ويُنقي ويحفظ ، وبدونه ” مُستحيل أن تُحضِر النَّفْس إلى الله ، لأنَّ الرب قال لِرُسُله : أنتم مِلح الأرض “ .
أمَّا عن محبة الترف والكسل ، فيُحذِّر منها القديس ميثوديوس العذارى ، ويحثهِنْ على محبة الأشياء الكريمة والتقدُّم في طريق الحكمة وعدم الاهتمام بأي شيء فيه كسل أو ترف ، ويجب أن تتأمَّل العذارى في الأمور اللائِقة بحياة البتولية ، وتبتعِدن عن فساد الترف لئلاَّ ” يُنتِج بعض الفساد الخفي دود الزِنا ، لأنَّ المُبارك بولس الرَّسول يقول : غير المُتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مُقدسة جسداً وروحاً “ .
تدرُّجية فِكْر البتولية
يتحدَّث القديس ميثوديوس بعد ذلك عن المراحِل التي أعدَّها الله لنمو الإنسان في طريق الكمال ، ويرى أنَّ البتولية ” نبتة من السماء Plant from Heaven “ ، لذا لم تُعلن للأجيال البشرية الأولى ، لأنَّ الجِنْس البشري كان ضئيلاً في العدد ، وكان لابد له أن يزيد وينمو حتّى تمتلئ الأرض ، لذلك كان الرِجال في الأزمنة القديمة يعتبرون اتخاذهم من أخواتِهِم زوجات لهم أمراً عادياً ، حتّى فرَّقت الشريعة بينهم وأعلنت أنَّ هذه خطية ، ولعنت كلّ من ” يُعرِّي عورة “ أخته ، ويُشبِّه ميثوديوس عمل الله مع البشرية ورحمته الواسعة بها بعمل الوالدين مع أبنائِهِما وتربيتهِما لهم ، فالوالدان يترُكان أولادِهِما في فترة طفولتهم يلهون ويلعبون ، ثم يُرسلانهم إلى مُعلَّمين حتّى يُلقوا عنهم ” ثوب العقل الصبياني “ ويمضون قُدُماً نحو ما هو أعظم ثم يتقدَّموا بعد ذلك إلى ثبات أعظم ، وهكذا فَعَلْ الله مع أجدادنا ، فعندما لم يكُن العالم قد امتلأ بعد بالناس كان مثل طفل ، وكان أمراً ضرورياً أن يمتلئ أولاً بهم ثم ينمو بعد ذلك إلى الرجولة ، وبعد أن امتلأ فِعلاً بهم ، نقل الله البشرية إلى مرحلة أخرى ، فمنع زواج الأخوات وأمر بالزواج من عائلات أخرى ، ثم كانت المرحلة التالية أن يتركوا تعدُّد الزوجات ويكون لكلّ رجُل زوجة واحدة فقط ولا يفعلوا مثل الحيوانات التي تُولد من أجل زيادة النوع فقط ، ثم نقلهم لمرحلة أخرى أن يبتعدوا عن الزِنا ثم أن يسلكوا بعِفة وطهارة ، ثم يتقدَّمون من العِفة إلى البتولية ، وعندما يُدرِبون أنفسهم على قمع الجسد واستعباده ” يبحرون بلا خوف نحو سماء الأبدية المملؤة سلاماً “ .
بعد أن تحدَّث ميثوديوس عن مراحِل نمو البشرية في طريق الكمال ، بدأ يتحدَّث عن الكمال نفسه الذي هو البتولية ، وطرح سؤالاً : ” لماذا لم يُعلِّم أو يمدح أيّاً من البطاركة ( أي رؤساء الآباء ) أو الأنبياء أو الرِجال الأبرار – الذين علَّموا وعملوا الكثير من الأعمال والأشياء الصَّالِحة – البتولية أو اختارها حياة له “ .
المسيح مُعلِّم البتولية
وعلى الفور يُقدِّم هو نفسه الإجابة ” لأنها كانت محفوظة للرب لكي يكون أوَّل مَنْ علَّم هذه العقيدة ، لأنه وحده ، الذي نزل إلينا ، علَّم الإنسان الإقتراب من الله ، وكان لائِقاً بذاك الذي هو أوِّل ورئيس الكهنة ، وأوِّل ورئيس الأنبياء ، وأوِّل ورئيس الملائِكة أن يكون أوِّل ورئيس المُتبتلين والعذارى ، فالإنسان في الأزمنة القديمة السابقة لتجسُّد الكلِمة لم يكُن كامِلاً ، وبالتالي لم يستطِع نوال « الكمال الذي هو البتولية » فالبتولية هي الكمال ، واحتاج الإنسان المخلوق على صورة الله أن ينال هذا الكمال وهذه البتولية التي هي بحسب شِبْه الله ، هذا الشَبَه الذي تجسَّد الكلِمة ابن الله ليُكمِّله في الإنسان ، واتخذ شكلنا الذي تشوَّه بالآثام والخطايا الكثيرة كي يستعيد لهذه الطبيعة البشرية الشكل الإلهي Divine Form مرَّة أخرى ، ونحن نصير فعلاً في شبه الله عندما « مثل رسّامين مهرة » نُظهِر ملامحه في حياتنا البشرية طابعين إيَّاها علينا كما على ألواح ، مُتعلمين الطريق التي أرانا إيَّاها “ .
ويرى القديس ميثوديوس أنَّ السيِّد المسيح حَفَظْ جسده غير فاسِد في البتولية حتّى أننا أيضاً – عندما نصِل إلى شِبه الله والمسيح - ” نُكرِم البتولية ونُمجِّدها “ لأنَّ شِبْه الله لا يقرُبه فساد ، ويرى القديس أنَّ يوحنَّا الرَّائي البتول أوضح أنَّ الكلِمة عندما تجسَّد صار البتول الأعظم Chief Virgin بنفس الطريقة كما أنه هو الرَّاعي الأعظم ونبي الكنيسة الأعظم ، بقوله : ” ثم نظرت وإذا خروف واقف على جبل صهيون ومعه مِئة وأربعة وأربعون ألفاً لهم اسم أبيه مكتوباً على جباهِهِمْ ، وسمعت صوتاً من السماء كصوت مياه كثيرة وكصوت رعد عظيم ، وسمعت صوتاً كصوت ضاربين بالقِيثارة يضربون بقِيثاراتِهِمْ ، وهم يترنمون كترنيمةٍ جديدةٍ أمام العرش وأمام الأربعة المخلوقات والشُّيوخ ولم يستطِع أحد أن يتعلَّم الترنيمة إلاَّ المِئة والأربعة والأربعون ألفاً الذين اشتُرُوا من الأرض ، هؤلاء هم الذين لم يتنجسوا مع النِساء لأنهم أطهار ، هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثُما ذهب “ ( رؤ 14 : 1 – 4 ) .
فيوحنَّا الحبيب يُعلِن أنَّ المسيح هو قائِد خورس المُتبتلين ، ويرى ميثوديوس الأوليمبي أيضاً في رؤيا يوحنَّا دليلاً على عِظَمْ كرامة البتولية في عيني الله .
هؤلاء اشتُرُوا من بين الناس باكورة لله وللخروف وفي أفواهِهِم لم يوجد غِش لأنهم بلا عيب قُدَّام عرش الله “ ( رؤ 14 : 4 – 5 ) ، ويرى القديس ميثوديوس أنَّ يوحنَّا قصد بذلك أن يُعلِّمنا أنَّ عدد المُتبتلين والعذارى محدود في عدد مُعيَّن صغير أي 144 ألفاً ، بينما جَمَعْ القديسين كبير جداً لا يُحصى : ” بعد هذا نظرت وإذا جمع كثير لم يستطِع أحد أن يعدُّه من كلّ الأُمم والقبائِل والشعوب والألسِنة “ ( رؤ 7 : 9 ) .
ويجد ميثوديوس في ذلك ” مُقابلة واضحة ومُقارنة ، ففي حالة القديسين ذَكَرْ يوحنَّا عدد لا يُحصى ، أمَّا المُتبتلين فَذَكَرْ عدد صغير محدود “ .
بين الزيجة والبتولية
وأوضح القديس ميثوديوس أنه بالرغم من حديثه عن البتولية إلاَّ أنَّ هذا لا يعني رفض الزيجة ، لأنَّ الرب بعد أن علَّم عن البتولية ، لم يلغِ إنجاب الأطفال ، لأنه ” مع أنَّ القمر يُمكن أن يكون أبهى وأعظم من النجوم إلاَّ أنَّ نوره لا يلغي أنوار النجوم الأخرى “ ، بل يرى أنها حماقة أن نعتبِر إنجاب الأطفال خطية ” لأنَّ الله نفسه ما زال يصنع ويُشكِّل بشراً “ .
وبالرغم من أنَّ البتولية هي الكمال إلاَّ أنها ليست العمل الوحيد الصَّالِح ، فرغم أنَّ العسل أحلى وألذ من الأشياء الأخرى ، إلاَّ أنَّ هذا ليس سبباً يجعلنا نعتقِد أنَّ الأشياء الأخرى ، الممزوجة بحلاوة الفاكهة الطبيعية ، مُرَّة ، ويتخِذ القديس ميثوديوس من القديس بولس الرَّسول شاهداً على صحة كلامه هذا ، لأنَّ الرَّسول يقول : ” مَنْ زَوَّج ( يتزوج ) فحسناً يفعل ومَنْ لا يُزوَّج ( يتزوج ) يفعل أحسن “ ( 1كو 7 : 38 ) فهذه الآية في تحديدها لِمَا هو أفضل وأحسن وأحلى ، لم ترفُض أو تلغِ الأقل حلاوة أو صلاحاً بل تُرتبهُما لتُوضِح نَفَع واستخدام كلٍّ منهما ، لأنَّ البعض لم يُعطوا أن يعيشوا في بتولية ، بينما رفض البعض الآخر أن يخضعوا لشهوتهم بسبب الرغبة في الإنجاب ، لذا يتأمَّلون في تجلِّي الجسد إلى شِبْه الملائِكة عندما ” لا يُزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائِكة الله في السماء “ ( مت 22 : 30 ) كما يقول الرب ، ويُوضِح ميثوديوس هنا أنَّ البتولية لم تُعطَى للجميع بل للذينَ يستطيعون أن يحفظوا ” زهرة البتولية اليانِعة دوماً التي لا تذبُل أبداً “ ، لأنها كانت عادة الكلِمة النبوية أن تُشبَّه الكنيسة بزهرة مُغطَّاة وببُستان مُلون مُزيَّن ليس فقط بزهور البتولية بل بزهور الإنجاب والطهارة أيضاً لأنه مكتوب ” جعلت الملِكة عن يمينك بذهب ... منسوجة بذهب ملابِسها ، بملابِس مُطرَّزة تحضر إلى الملِك “ ( مز 45 : 10 ، 13 – 14 ) .
ويعرِض القديس ميثوديوس فِكْر القديس بولس الرَّسول عن البتولية والزواج ، ويحِث العذارى قائلاً : ” انظُرنَ كيف كان يسعى راغباً بكلّ قُوَّته أن يكون جميع المُؤمنين في المسيح أطهاراً وأنقياء ، مُجاهِداً بِمُحاججات كثيرة ليُظهِر كرامة العِفة كما قال : « وأمَّا من جهة الأمور التي كتبتُم لي عنها فَحَسَنْ للرجُل أن لا يمِسَّ امرأةً » ( 1كو 7 : 1 ) ، فالرسول هنا يُوضِح أنه أمر صالِح أن لا يمِسْ الرجُل امرأة ، ولكن بعد ذلك لمعرفته بضعف البعض ، سمح لهؤلاء الغير قادرين على استعباد أجسادهم وقمعها أن يتزوجوا لأنَّ ذلك أفضل من أن يسقطوا في هُوَّة الزِنا ، ويُسمِّي القديس ميثوديوس حديث بولس الرَّسول هذا إذناً Permission ، فيقول أنَّ الرَّسول بعد أن أعطى هذا الإذن أضاف على الفور : « لئلاَّ يُجرِّبكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم » ( 1كو 7 : 5 ) ، ويرى أنَّ هذه الكلِمات تعني « إذا لم تستطيعوا بسبب شهوتكم ونعومة أجسادكم أن تعيشوا في بتولية تامة ، فإني أسمح لكم أن تتزوجوا لئلاَّ ، بعد أن تنذِروا البتولية الكاملة ، يُجرِّبكم الشِّرِّير دوماً وتتحرَّقون باشتهائِكم زوجات الآخرين » “ .
وبعين إنجيلية يتأمَّل القديس ميثوديوس في حديث مُعلِّمنا بولس الرَّسول ويطلُب من العذارى أن يفحصنَ جيداً كلِمات الرَّسول ويُلاحِظنَ أنها ليست للجميع ، فالرَّسول أوضح سبب حديثه هذا لأنه بعد أن قال ” حَسَنْ للرَّجُل أن لا يَمَسْ امرأة “ أضاف فوراً ” لكن بسبب الزِنا ، ليكُن لكلّ واحد امرأته وليكُن لكلّ واحدة رجُلها ، لِيُوفِ الرَّجُل المرأة حقها الواجِب وكذلك المرأة أيضاً الرَّجُل ، ليس للمرأة تسلُّط على جسدها بل للرَّجُل وكذلك الرَّجُل أيضاً ولكنني أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر “ ( 1كو 7 : 1 – 7 ) .
ويُقدِّم القديس ميثوديوس مُعلِّمنا بولس الرَّسول كمِثال ونموذج ، على اعتبار أنه يُفضِّل العِفة وضبط النَّفْس ... ويستمر في الاستشهاد بتعليمه : ” فأُريد أن تكونوا بلا هم غير المُتزوج يهتم فيما للرب كيف يُرضي الرب ، وأمَّا المُتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يُرضي امرأته ، إنَّ بين الزوجة والعذراء فرقاً ، غير المُتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مُقدسة جسداً وروحاً ، وأمَّا المُتزوجة فتهتم فيما للعالم كيف تُرضي رجُلها “ ( 1كو 7 : 32 – 34 ) ويُعلِّق القديس ميثوديوس على هذه الآيات قائلاً : ”من الواضِح هنا ، بلا أدنى شك ، أنه أفضل كثيراً أن يهتم الإنسان فيما للرب وفيما يُرضيه من أن يهتم فيما للعالم وفيما يُرضي زوجته ، لأنَّ مَنْ هو ذاك الذي من الحماقة والغباء بمكان بحيث لا يفهم ولا يرى في هذه الكلِمات المديح الكثير الذي يمدح به بولس العِفة ؟ لأنه يقول : « هذا أقوله لخيركم ليس لكي أُلقي عليكم وهقاً بل لأجل اللياقة والمُثابرة للرب من دون ارتباكٍ » ( 1كو 7 : 35 ) “.
دعوة البتولية
يرى ميثوديوس أنَّ القديس بولس الرَّسول يمدح البتولية كعطية وهِبَة من الله gift from God ، ويرفُض الرَّسول هؤلاء الذين بالرغم من كونِهِمْ غير قادرين على قمع واستعباد أجسادِهِم – بسبب محبة المجد الباطِل – يُريدون أن يحيوا في بتولية ، وينصحهم أن يتزوجوا لئلاَّ في أوقات شغب الجسد يسقطون فيما يُدنِس الروح ، لأنَّ الرَّسول يقول : ” ولكن إن كان أحد يظُنُّ أنه يعملُ بدون لِياقةٍ نحو عذرائِهِ إذا تجاوزت الوقت وهكذا لَزِمَ أن يصير فليفعل ما يُريد . إنه لا يُخطِئ . فليتزوجا “ ( 1كو 7 : 36 ) والرَّسول هنا يُفضِّل الزواج على عدم اللياقة في حالة هؤلاء الذين اختاروا حياة البتولية ووجدوا أنها صعبة ولا يستطيعون احتمالها ، وبينما يفتخرون ويتباهون أمام الناس بأنهم يحفظون بتوليتهم ، لم يعُد لديهم القُدرة أو القُوَّة على أن يحيوا كخِصيان خصوا أنفسهم من أجل ملكوت السموات ، ويقول القديس ميثوديوس : ” يقول الرَّسول بولس أنَّ ذاكَ الذي يستطيع ويشتاق إلى حِفْظ جسده عفيفاً طاهراً يفعل أحسن ، ولكن ذاكَ الذي لا يستطيع ويتزوج زواجاً قانونياً ولا ينغمِس في فساد خفي يفعل حسناً .... فليمسِك مَنْ يُريد برسالة مُعلِّمنا بولس الرَّسول إلى أهل كورنثوس ويفحص كلِماتها ثم يتأمَّل فيما قُلناه مُقارِناً هذا بذاك ( ما قُلناه بالرسالة ) ليرى إذا كانت هناك اتفاق تام بينهما أم لا “ .

مديح العِفة
ويدعو القديس ميثوديوس العذارى إلى مدح العِفة قائِلاً :
” تعالوا – طِبقاً لمواهِبنا – نمدح نجمة المسيح المُتلألأة المجيدة جداً التي هي العِفة “ فالعِفة هي نجمة المسيح .
يرى القديس أنه لم تكُن هناك وسيلة أُعيدَ بها الإنسان إلى الفِردوس وأُزيلَ بها الفساد وتمَّت بها المُصالحة مع الله ، وكانت وسيلة خلاص للناس باقتيادها إيَّانا إلى الحياة ، مثل العِفة ، فهي تمنحنا بركات عظيمة ، ذلك أنه بعد سقوط الإنسان قديماً وطرده من الفِردوس بسبب تعدِّيه ، اندفع نهر الفساد بفيض في تيارات عنيفة ، ولم يكُن يُحطم ما يلمسه من الخارج بل اندفع نحو الداخل مُغرِقاً أرواح البشر ، وكانت أجساد البشر ، المُعرَّضة دوماً لتيارات الفساد هذه ، خرساء وحمقاء ، ولم تجد شيئاً ثابتاً تتشبث به ، لأنَّ أمواج الحماقة تندفِع بقُوَّة داخل حواس النَّفْس عندما تُثيرها شهوات الجسد التي تأتيها من الخارِج ، لذلك أشفق الله علينا نحن الذين كُنَّا لا نقوى على القيام ، وأرسل لنا من السماء أعظم وأحسن معونة التي هي البتولية حتّى نستطيع بها أن نحكُم ونضبُط أجسادنا بثبات ، مثل السُّفُنْ ، ويصير لنا هدوء وسكون ونصِل إلى الميناء بغير خسائِر أو أضرار .
ويذكُر بعد ذلك أنَّ الروح القدس يشهد على كلامه هذا ، فيقول أنَّ النِفوس في المزمور 137 تُرسِل تسبحة شُكر لله بفرح عظيم ، تلك النِفوس التي أُمسِكت وأُقيمت لتمشي مع المسيح في السماء ، ولم تغمُرها أو تُغرِقها تيارات هذا العالم وجموحات الجسد ، ويُورِد دليل كِتابي آخر ضمن منهجه الإنجيلي ، عندما يشرح أنَّ فِرعون كان مِثالاً للشيطان في مصر ، لأنه بلا رحمة أمر بإلقاء الذكور في النهر وإبقاء الإناث أحياء فالشيطان الذي كان يحكُم من آدم وحتّى موسى على مصر العظيمة التي هي العالم ، اهتم بأن تُزال وتُدمر الذُّرية العاقلة من الذكور بتيارات الشهوة والأهواء ، ولكنه يشتاق إلى ازدياد الذُّرية الجسدية الغير عاقلة .
ثم يشرح القديس ميثوديوس المزمور 137 الذي تُرنِمه ” الأرواح الطاهرة الغير دَنِسة لله “ : ” على أنهار بابِل هناك جلسنا ، بكينا عندما تذكّرنا صِهيون ، على الصِفصاف في وسطها علَّقنا قِيثاراتنا “ ، مُستخدِماً المنهجية الرمزية في التفسير ، أذ يرى ميثوديوس أنَّ الأرواح الطاهرة التي تُسبِّح هذا المزمور لله تُسمَّى قِيثارات ، تلك التي علَّقوها على أغصان العِفة مُثبتين إيَّاها في الخشب كي لا ينزعها أو يحملها أي تيار من الشهوة ، أمَّا بابِل – التي تعني ازعاج أو ارتباك – فهي تُشير إلى الحياة التي تنساب من حولها المياه ، ونحن نجلِس فيها ، وتظل أنهار الشر ترتطِم بنا طُوال فترة وجودنا في العالم ، لذلك نخاف دوماً ونئِن ونصرُخ إلى الله بدموع لكي لا تنزع أمواج الشهوة الجامِحة قِيثاراتنا وحتّى لا تسقُط قِيثاراتنا من شجرة العِفة ، لأنَّ الكِتاب المُقدس يتخذ دوماً من شجرة الصِفصاف رمزاً للعِفة لأنها عندما ينقع ورقها في الماء ويُشرب ذلك الماء يُطفِئ كلّ ما يُشعِل الشهوات والأهواء الجسدية داخلنا ويجعل كلّ ميل لإنجاب الأطفال بلا أثر أو تأثير ، لذلك قال هوميروس أنَّ شجرة الصِفصاف بلا ثمر ، وفي إشعياء قيلَ عن البَّار ” مثل الصِفصاف على مجاري المياه “ ( إش 44 : 4 ) ” بالتأكيد إذاً يُرفع بُرعُم البتولية إلى عُلُو عظيم مجيد عندما يبلُّه ويُنديه البَّار الذي أُوكل إليه العناية بها ، وعندما يرتوي البَّار من أعذب أنهار المسيح “ لأنه من طبيعة هذه الشجرة أن تنمو وتنبُت براعِم داخل المياه ، وبالمِثل هي طبيعة البتولية أن تزهر وتينع وتنضُج عندما تُغذي بالكلِمات الإلهية ، حتّى يستطيع الإنسان أن يُعلِّق جسده عليها .
الطريق إلى حِفْظ العِفة
ويرى القديس ميثوديوس أنه إذا كانت أنهار بابِل هي التيارات الشهوانية الحِسية التي تُربِك وتُزعِج النَّفْس ، إذاً لابد أن تكون شجرة الصِفصاف هي العِفة التي يجب أن نُعلِّق عليها أعضاء الشهوة التي تُثقِّل الذهن ، لكي لا تُسقِطها سيول الشهوة وتسقُط مثل الدود في الفساد والدنس ، لأنَّ الله أعطانا البتولية كأنفع وأعظم معونة نُقاوِم بها الفساد مُرسِلاً إيَّاها كمُعين لهؤلاء الذين يُجاهدون من أجل صهيون ويشتاقون إليها كما يُوضح المزمور .
واستكمالاً لتعليقه على المزمور ، يشرح ميثوديوس أنَّ هؤلاء الذين يرتدون ثوب البتولية النقي اللامع الفريد اللائِق والذين لم يخضعوا أو يستجيبوا للشهوات ، هم الذين لا يُسبِّحون الرب في أرضٍ غريبة لأنَّ آمالِهِم ورجاءِهِم ليست في هذه الغُربة ، إذ أنهم لا يتمسكون بالشهوات الجسدية الزائِلة بل يتمسكون بوصايا الرب ، وبنُبْل واشتياق عالي ورفيع ينظرون للوعود التي فوق ، مُتعطشين إلى الأبدية كمسكن مُفرِح وهِبات الكرامة المُختارة ، لأنه يقول ” إن لم أُفضِّل أورشليم على أعظم فرحي “ أي أنَّ أورشليم هي الأرواح الطاهرة النقية التي هي مُنكِرة لذاتها والتي دخلت في تيار البتولية النقي بشفاه طاهرة غير دَنِسة ، وهي ( مخطوبة لرجُلٍ واحد ) لكي تُقدَّم ( عذراء عفيفة للمسيح ) في السموات ” تفتخِر بإكليل الظفر بعد انتصارها في ساحة المعارِك الطاهرة “ ( حك 4 : 2 ) .
لذلك يقول إشعياء النبي ” قومي استنيري ( يا أورشليم ) لأنه قد جاء نورِك ومجد الرب أشرق عليكِ “ ( إش 60 : 1 ) ومن الواضِح للجميع أنَّ هذه الوعود ستتحقق بعد القيامة لأنَّ الروح القدس لا يتحدَّث عن تلك المدينة المشهورة في اليهودية ، بل بحق عن تلك المدينة السماوية ، أورشليم المُباركة ، التي يُعلِن الرب أنها جميع النِفوس التي يُعدَّها الله للمكانة الأولى ، ” فوق أعظم فرحي “ في الحياة الجديدة ، مُجلِساً هؤلاء المُلتحفين بثوب البتولية الناصِع البياض في المسكن الطاهِر النقي الذي للنور الذي لا يُدنى منه .
وينتقِل ميثوديوس من سِفْر المزامير والحكمة إلى سِفْر إرميا ليُعلِّق على قوله ” هل تنسى عذراء زينتها أو عروس منطقتها “ ( إر 2 : 36 ) ويرى أنَّ هذا يعني أنه يجب على العذراء أن لا تترُك أو تُوسع زِنَّار العِفة باللهو والتشتُّت ، لأنَّ كلمة القلب تعني قلبنا وعقلِنا ، والزِنار الذي يجمع ويحفظ ويُثبِّت هدف وغاية النَّفْس نحو العِفة هو محبة الله الذي هو ربنا ورُباننا وراعينا يسوع الذي هو أيضاً حاكِمنا وعريسنا الذي يُوصينا أن نثبُت إلى المُنتهى ، لأنَّ الإنسان لن يجد معونة أعظم من هذه القنية المرضية لله ، لذا يجب أن نحيا جميعاً العِفة ونُكرِمها ونمدحها دوماً .
عَظَمِة السلوك البتولي
ويقول القديس ميثوديوس : ” إني مُقتنِع – بعد أن تعلَّمت ذلك كلّه من الكِتاب المُقدس – أنَّ أعظم تقدِمة وأكثرها مجداً ، التي لا يُقارن بها شيء ، ويستطيع الإنسان تقديمها لله ، هي حياة البتولية “ .
وانتقل القديس بعد ذلك ليتحدَّث عن التكريس الكُلّي الكامِل لله ، وأوضح أنَّ مَنْ يحفظ نفسه ويسهر في أمر ، بينما يتشتَّت ويرتبِك في أمر آخر ، ليس مُكرّساً بكُليته لله إذ لا يُقدَّم الأشياء التي للروح والأشياء التي للجسد ، لكي يكون كامِلاً تماماً ، وكعادته يُورِد ميثوديوس دليلاً كِتابياً على حديثه ، وهنا يستشهِد بقول الله لإبراهيم ” خُذْ لي عِجْلة ثُلثية وعنزة ثُلثية وكبشاً ثُلثياً ويمامة وحمامة “ ( تك 15 : 9 ) فالله الذي أوصى إبراهيم أن يُحضِر له هذه الأشياء يُريدنا أن نُقدِّم له نِفوسنا غير مجروحة مثل العِجْل ، ونُقدِّم أجسادنا مثل عنزة لأنها تتسلَّق الأماكن العالية الشديدة الانحدار ، ونُقدِّم له عِقولنا مثل كبش لا يهرب أبداً فيسقُط ويحيد عن الطريق الصحيح ، فإنه بهذا يكون الإنسان كامِلاً ، عندما يُقدِّم روحه وحواسه وعقله لله الذي ذكَّرهم برموز العِجْلة والعنزة والكبش ذَوِي الثُّلثة أعوام ، كأنهم يُقدِّمون معرفة الثَّالوث النقية .
ويمضي ميثوديوس الأُوليمبي قُدُماً في منهجه الرمزي ليرى أنَّ الله ربما يرمُز بالعِجْلة والعنزة والكبش إلى بدايِة ووسط ونهايِة الحياة ، مُتمنياً أن يقضي الإنسان أيام صِباه ورجولته وأيامه المُتقدمة بطهارة ونقاوة ويُقدِّمها له ، وينتقِل ميثوديوس من سِفْر التكوين إلى قول السيِّد المسيح لتلاميذه ” لتكُن أحقاؤُكم مُمنطقةً وسُرُجُكم مُوقدةً وأنتم مثل أُناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العُرس حتّى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت ، طوبى لأولئِك العبيد الذينَ إذا جاء سيِّدهم يجدهم ساهرين ، الحق أقولُ لكم إنه يتمنطق ويُتكِئهم ويتقدَّم ويخدمهم ، وإن أتى في الهزيع الثَّاني أو أتى في الهزيع الثَّالِث ووجدهم هكذا فطُوبى لأُولئِكَ العبيد “ ويرى ميثوديوس أنَّ السيِّد المسيح يذكُر هنا ثلاث هَزَعَات ( جمع هزيع ) وثلاث مجيئات ، وهو بذلك يرمُز إلى الثَّلاث مراحِل التي في حياتنا : الصبوة ، النُّضج ، الشيخوخة ، حتّى إذا جاء وأخذنا من العالم بينما نحن في المرحلة الأولى ، أي بينما نحن صبيان ، يجدنا مُستعدين أنقياء ، ونفس الأمر في الثَّانية والثَّالِثة ، لأنَّ الهزيع الأوَّل هو شباب الإنسان عندما يبدأ العقل في الإنزعاج والارتباك ويظلَمْ بسبب تغيُّرات الحياة لأنَّ الجسد يزداد قُوَّة ورغبة ، والهزيع الثَّاني هو النُّضج والرجولة عندما يبدأ الإنسان في الاستقرار والثبات ويُجاهِد ويقف ضد حروب الشهوة والغرور والإعجاب بالنَّفْس ، أمَّا الهزيع الثَّالِث فهو تقدُّم الأيام والشيخوخة التي تختفي فيها مُعظم الخيالات وتخمُد الشهوات ويبدأ الجسد في الذبول والضعف .
وبعد أن انتهى القديس من شرح المثل الإنجيلي ، يحِثِنا بعد ذلك على الاستعداد والسهر الدائِم لأنه ” من اللائِق أن نُشعِل أنوار الإيمان التي لا تنطفِئ في القلب ، وأن نسهر وننتظِر سيِّدنا حتّى إذا أتى وأخذ أيَّاً مِنَّا في المرحلة الأولى من حياتنا أو الثَّانية أو الثَّالِثة ، يجدنا مُستعدين عاملين بوصاياه ، فيُنيِح نِفوسنا في أحضان القديسين إبراهيم وإسحق ويعقوب “ .
ويقول إرميا النبي ” جيد للرجُل أن يحمِل النِّير في صِباه “ ( مرا 3 : 27 ) ، فجيد بالفِعْل للإنسان أن يُخضِع رقبته لليد الإلهية العالية منذ الصبوة ولا يترُك – حتّى الشيخوخة – القائِد الذي يقوده ويُرشِده في نقاء وطهارة ، عندما يجُر الشِّرِّير عقلِنا إلى الأمور الرديئة ، لأنَّ مَنْ هو ذاكَ الذي لا يتلقّى ، خلال العينين والأُذُنين والتذوق والشم واللمس ، مسرَّات وملذات تجعله لا يستطيع أن يضبُط نفسه كقائِد Driver عليه أن يمنع جوَّاده بشدَّة من الشر ؟ فالذي ” يُقدِّم نفسه بالكمال لله هو ذاكَ الذي يُجاهِد لكي يحفظ جسده بلا دنس منذُ الطفولة ، عائِشاً في بتولية ، لأنها تُعطي سريعاً عطايا الرجاء العظيمة التي يشتاق إليها هؤلاء الذين يُجاهدون من أجلها ، وتُطفِئ الشهوات المُفسِدة وكلّ أهواء النَّفْس “ .
نذر البتولية
ينتقِل بعد ذلك ميثوديوس ليتحدَّث عن نذر البتولية وعَظَمَته وطبيعته ، فيرى أنَّ ما كُتِب في الأصحاح السَّادِس من سِفْر العدد يُوضِح لنا أنَّ ” العِفة هي أعظم نذر فوق كلّ النُذُور “ ، لأنَّ الإنسان يكون مُكرّساً بكُليته لله ، ليس فقط عندما يبتعِد عن المُمارسات الزيجية ، بل عندما يحفظ جسده غير دَنِسْ بأي نوع من عدم اللياقة لأنه مكتوب ” غير المُتزوِجة تهتم فيما للرب لكي تكون مُقدسة جسداً وروحاً “ ( 1كو 7 : 34 ) وهذا يعني أنَّ الإنسان يجب أن يكون مُقدساً جسداً وروحاً مُقدِماً أعضائه للرب ، ثم أخذ القديس يشرح كيف يُقدِّم الإنسان نفسه بكُلِّيته إلى الله :
الفم : عندما يفتح الإنسان فمه للحديث في موضوعات مُعيَّنة ويُغلِقه في أخرى ، عندما يفتحه لتفسير الكِتاب المُقدس أو لتسبيح الله في إيمان صادِق وبتكريم وتوقير لائِق ويضع عليه باباً ويحرُسه ضد المُحادثات الغبية .. عندئذٍ يكون فمه نقياً طاهراً مُكرَّساً لله .
اللسان :لساني قلم “ ( مز 45 : 1 ) فهو عضو الحِكمة لأنَّ كلِمة الروح تُكتب به في حروف واضحة من عُمق وقُوَّة الكِتاب المُقدس ، والرب نفسه ، الكاتِب السريع الماهِر في كلّ العصور ، يُسجِّل ويُحقِّق وصية الآب بسرعة وخِفَّة ، مُصغياً للكلِمات ” خُذْ لنفسك لوحاً كبيراً واكتُب عليه بقلم “ ( إش 8 : 1 ) ، وعلى مثل هذا الكاتِب الإلهي تنطبِق الكلِمات ” لساني قلم “ لأنَّ القلم الجميل يتقدَّس ويُقدِّم له ، ويكتُب أشياء أجمل من الشُّعراء والخُطباء .
العينان : عندما يُعوِّد الإنسان عينيه أن لا تشتهيا جمال الجسد ولا تُسرَّا بالمناظِر الغير لائِقة ، بل تشتهيا الأشياء العُليا التي فوق ، حينئذٍ تكون عيناه نقيتين طاهرتين مُكرستين لله .
الأُذُنان : عندما يُغلِق الإنسان أُذُنيه ولا يُصغي للكلام الردئ والشتائِم ، وعندما يفتحهُما لسماع كلِمة الله وللحديث مع الرِجال الحُكماء ، حينئذٍ تكون أُذُناه نقيتين طاهرتين مُكرستين لله .
اليدان : عندما يبعدهُما الإنسان عن المُعاملات الرديئة ، وعن كلّ عمل وشهوة باطِلة ، حينئذٍ تكون يداه نقيتين طاهرتين مُكرستين لله .
القدمان : عندما يمنع الإنسان قدميه من الذِهاب إلى الأماكن والموائِد التي يوجد فيها رِجال أردياء أشرار ، بل يجعلهُما يسيران في طريق الرب المُستقيم ، مُحققين شيئاً من الوصية ، حينئذٍ تكون قدماه نقيتين طاهرتين مُكرستين لله .
القلب والعقل : عندما يحفظ الإنسان قلبه نقياً مُقدِماً كلّ أفكاره لله ، وعندما لا يُفكِر في أي شر ، وعندما لا يعود للغضب أي سُلطان عليه ، وعندما يتأمَّل في ناموس الرب ليلاً ونهاراً ، فحينئذٍ يكون قلبه وعقله نقيين طاهرين مُكرسين لله .
فهذا كلّه هو حِفْظ العِفة العظيمة ونذرُ نذرٍ عظيم
واجِبات العذارى
ثم يمضي القديس في شرح ما كُتِبْ بخصوص واجبات العذارى لأنَّ هذا نافِع لتعليمِهِنْ كيف يتقدمنَ نحو البتولية ، ويُعلِّق على ما كُتِبْ في سِفْر العدد ( 6 : 1 – 4 ) ” وكلَّم الربُّ مُوسى قائِلاً كلِّم بني إسرائيل وقُلْ لهم . إذا انفرز رجُل أو امرأة لِينذُر نذر النَّذير لِينتذِر للربِّ فعن الخمر والمُسكِر يفترزُ ولا يشرب خلَّ الخمر ولا خلَّ المُسكِر ولا يشرب من نِقيع العِنب ولا يأكُل عِنباً رطِباً ولا يابِساً كلَّ أيام نذرِهِ لا يأكل من كلِّ ما يُعملُ من جفنهِ الخمر من العَجَم حتَّى القِشرِ “ ... ويشرح القديس ميثوديوس أنَّ هذا يعني أنه يجب على كلّ مَنْ كرَّس حياته وقدَّم نفسه للرب أن يبتعِد عن ثِمار نبات الشر ، لأنه بطبيعته يُسبِّب سُكراً وتشتيتاً للذهن ، لأننا نفهم من الكِتاب المُقدس أنَّ هناك نوعين من العِنب ( الكروم ) مُختلفين بعضهما عن بعض :
الأوَّل : يهِب الحياة الأبدية والبِّر .
الثَّاني : يُسبِّب الجنون وضياع العقل .
فالأوَّل هو الكرم الذي لا يُسكِر بل يهِب الفرح والبهجة ، الذي من تعاليمه ، كما من أغصان ، تتدلَّى عناقيد النِعمة التي تقطُر حُباً ، هو ربنا يسوع المسيح الذي قال لترميذه : ” أنا الكرمة الحقيقية وأبي الكرَّام .. وأنتُم الأغصان “ ( يو 15 : 1 – 5 ) .
أمَّا الكرم البِّري المُنتِج الموت فهو الشيطان الذي يقطُر غضباً وسُماً كما قال عنه موسى النبي ” لأنَّ من جفنة سدوم جفنتهم ومن كروم عمورة . عِنبهم عِنب سمٍ ولهم عناقيد مرارةٍ . خمرُهُم حُمةُ الثَّعابين وسُمُّ الأصلالِ القاتِلُ “ ( تث 32 : 32 – 33 ) ... والإنسان لا يسكر ولا يضيع عقله من الحُزن أو الشهوة كما يضيع بسبب الخمر ، لذلك أُمِر أن لا تتذوق العذراء الخمر لكي تكون صاحية عاقلة ساهرة ، حتّى تُشعِل مصابيح نور البِّر البهي من أجل الرب الذي يقول : ” احترزوا لأنفسكم لئلاَّ تسقُط قُلُوبكم في خمار وسُكْر وهموم الحياة فيُصادِفكم ذلك اليوم بغتةً “ ( لو 21 : 34 ) ، ويقول القديس أنه ليس فقط ممنوعاً أن تتذوق العذارى الخمر بل وأيضاً أي شيء مصنوع منه أو يُشبِه .
ويُخاطِب القديس العذارى قائِلاً أنه يجب عليهِن أن يحترسنَ ويحفظنَ أنفُسهِن ، لئلاَّ فيما تبتعِد العذراء عن الخطايا التي هي نفسها شر ، تسقُط في أخرى شبيهة وقريبة للأولى ، وهكذا تهزِم العذراء خطية وتنهزِم من أخرى ، فيجب أن لا تتزيَّن بأقمشة وملابِس مُتنوعة أو بجواهِر وذهب أو بزينة الجسد الأخرى ، فهذه كلّها أشياء تُسكِر النَّفْس ، لذا أوصى ألاَّ تترُك العذراء نفسها تشترِك في أحاديث النِساء وضِحكِهِنْ بل تبتعِد عن الحديث الأحمق الذي للتسلية فقط ، لأنَّ هذا هو ما يُربِك العقل ويُشتِّته ، والطريق المُستقيم المُؤدي إلى السماء ليس فقط أن نتحاشى حجر العثرة الذي يُعثِر ويُوقِع ويُدمِر هؤلاء الذين تُثيرهم شهوة الترف والملذات ، بل أيضاً أن نتحاشى هذه الأشياء الشبيهة .
قُدسيِة البتولية
ويستطرِد ميثوديوس لِيُعلِّم العذارى أنَّ مذبح الله الغير دموي unbloody altar يرمُز لجماعة المُتبتِلات العفيفات ، وهكذا تظهر البتولية كشيء عظيم مجيد ، لذا يجب أن تُحفظ بلا دنس في نقاوة كاملة بدون أي مُشاركة في شهوات الجسد وأهوائه ، بل يجب أن تُوضع أمام تابوت العهد ، مُتمنطِقة بالحِكمة من أجل قُدس الأقداس ، مُرسِلة رائحة حُب عبقة للرب ، لأنه يقول : ” وتصنعُ مذبحاً لإيقاد البخور من خشب السَّنطِ تصنعهُ . طُولهُ ذِراع وعرضهُ ذِراع . مُربَّعاً يكونُ . وارتفاعهُ ذِراعان . منهُ تكونُ قُرونهُ . وتُغشِّيه بذهبٍ نقيٍ سطحهُ وحِيطانهُ حواليه وقُرونهُ . وتصنعُ لهُ إكليلاً من ذهبٍ حواليه . وتصنعُ له حلقتين من ذهبٍ تحت إكليلهِ على جانبيهِ . على الجانبينِ تصنعهُما . لتكونا بيتين لِعَصَوينِ لحملِهِ بهما . وتصنعُ العصوين من خشب السَّنط وتُغشِّيهِما بذهبٍ . وتجعلهُ قُدَّام الحجاب الذي أمام تابوت الشهادة . قُدَّام الغِطاء الذي على الشهادة حيث أجتمعُ بِكَ . فيُوقِدُ عليهِ هرون بخُوراً عَطِراً كُلَّ صباحٍ . حين يُصلحُ السُّرجَ يُوقِدهُ . وحين يُصعِدُ هرون السُّرُج في العشية يُوقدهُ . بخُوراً دائِماً أمام الرب في أجيالِكُم . لا تُصعِدُوا عليهِ بَخُوراً غريباً ولا مُحرِقةً أو تقدمةً . ولا تسكُبُوا عليهِ سكِيباً “ ( خر 30 : 1 – 9 ) .
ويرى القديس أنَّ خيمة الاجتماع هي ظِلْ للكنيسة التي هي صورة الأشياء السماوية ، فيقول : ” أنَّ اليهود تنبأوا بحياتنا هذه ولكننا نتنبأ عن الحياة السماوية ، لأنَّ خيمة الاجتماع رمز للكنيسة ، إذاً من اللائِق أن تكون المذابِح رموزاً للأشياء التي داخل الكنيسة ، فالمذبح النحاس رمز لجماعة الأرامِل ، لأنهن مذبح حي لله ، إليه يُحضرنَ العجول والعشور والتقدمات التي يرغبنَ في تقديمها بحسب إرادنهم الحُرَّة كذبيحة لله ، أمَّا المذبح الذهب الموضوع داخل قُدس الأقداس أمام تابوت العهد ، الذي لا تُقدَّم عليه ذبائِح القرابين فيرمُز إلى هؤلاء الذين يعيشون في بتولية ، لأنَّ هؤلاء حفظوا أجسادهم طاهرة نقية ، مثل ذهب خالِص ، من كلّ شهوة جسدية ، والذهب يُمدح لسببين :
الأوَّل : لأنه لا يصدأ .
الثَّاني : لأنه يُشبِه في ألوانه أشعة الشمس .
وهكذا هو رمز مُناسِب للبتولية التي بلا أي عيب أو دنس بل مُشرِقة دوماً بالنور الإلهي ، لذلك أيضاً تقف قريبة من الله في قُدس الأقداس ، ومثل البخور ، تُقدَّم للرب الصلوات التي تُقبل كرائحة عَطِرة ، كما أوضح يوحنَّا البتول أنَّ البخور الذي في مجامِر الأربعة والعشرين قسيساً هو صلوات القديسين .
بعد ذلك يتحدَّث القديس ميثوديوس البتول عن أنَّ الإنسان يأتي إلى العالم ممنوحاً جمالاً فريداً مُرتبطاً ونابِعاً من الحكمة الإلهية ، لأنَّ النَّفْس البشرية تُشابِه فعلاً ذاكَ الذي كوَّنها وخلقها ، عندما تعكِس صورته النقية .
ولأنَّ الجمال الغير جسدي ، الذي لا يبتدأ ولا يفسد ، الذي لا يتغيَّر ولا يشيخ ، الذي لا يحتاج لشيء ، الذي يستريح في نفسه وفي النور الذي في المواضِع التي لا يُعبَّر عنها ولا يُدنى منها ” الذي وحده له عدم الموت ساكناً في نور لا يُدنى منه الذي لم يرهُ أحد من الناس ولا يقدِر أن يراه “ ( 1تي 6 : 16 ) خلقنا على صورته ، لذلك نِفوسنا عاقلة خالدة ، ولأنها خُلِقت على صورة الله ، لذلك هي جميلة جمالاً فائِقاً ، ولذلك أيضاً تسعى الأرواح الشِّرِّيرة لكي تُدنِس صورتها الجميلة الشبيهة بالله ، كما يُوضِح إرميا النبي وهو يُوبِخ أورشليم ” جبهةُ امرأةٍ زانيةٍ كانت لَكِ أبيتِ أن تخجلي “ ( إر 3 : 3 ) مُوبِخاً إيَّاها وهي التي فسدت وقدَّمت نفسها للقُوَّات التي حاربت ضدها لِتُدَنِسها ، تلك التي تسعى لتُسقِط كلّ نفس مخطوبة للرب ، وتُدنِس جمال عقلها النقي .
ويستمر ميثوديوس في حديثه عن جمال النَّفْس ، فيُؤكِد أنَّ مَنْ يحفظ هذا الجمال بلا عيب ولا تغيير كما خلقهُ ذاكَ الذي صنعهُ وشكِّلهُ ، مُحاكياً ومُقتدياً بالطبيعة الأبدية ، ويُصبِح مثل صورة مجيدة ومُقدسة ، سيُنقل إلى السماء إلى مدينة الطوباويين وسيسكُن هناك .
والإنسان يحفظ جماله كامِلاً بلا دنس عندما يحميه بالبتولية فلا ” تعميه حرارة الفساد التي من الخارِج “ بل يظل كما هو ويتزيَّن بالبِّر ويتقدَّم كعروس لابن الله كما قال هو نفسه ، ويتحدَّث ميثوديوس عن أنَّ نور العِفة يجب أن يُضاء في الجسد كما في مِصباح ، وذلك في مَثَلْ العشر عذارى ، لأنَّ عدد العشر عذارى يرمُز للنِفوس التي آمنت بيسوع المسيح ، وترمُز العشرة إلى الطريق الوحيد الصحيح المُؤدي إلى السماء .
هدف الحياة العذراوية
ويشرح القديس مَثَلْ العشر عذارى ، قائِلاً :" ” إنَّ خمس منهُن كُنَّ حكيمات وحريصات وخمس جاهِلات لأنهُنْ لم يُفكِرنَ مُسبقاً أن يملأنَ مصابيحهِنْ بالزيت ، فظللنَ بلا بِرْ ، وبهذا يرمُز الرب إلى هؤلاء الذين يُجاهِدون ليحيوا في بتولية ويبذلون كلّ طاقتهم في هذا الجِهاد ، ويعيشون في طهارة واعتدال ، وأيضاً إلى هؤلاء الذين يُعلِنون ويفتخرون بأنَّ هذا هو هدفهم ، ولكنهم يخضعون لتغيُّرات العالم ، فيصيرون صورة باهتة مُظلِمة للفضيلة بدلاً من أن يكونوا عُمَّالاً يُقدِّمون الحق الحي نفسه “ .
ويمضي ميثوديوس في حديثه قائِلاً أنَّ الآية القائِلة : ” يُشبِه ملكوت السموات عشر عذارى أخذنَ مصابيحهن وخرجنَ لِلِقاء العريس “ ( مت 25 : 1 ) تعني أنَّ جميعهن إتجهنَ لغاية واحدة وطرقنَ نفس الطريق ، فلقد رغبنَ جميعهِنْ في نفس الغاية والهدف ولذلك دُعِينَ عشرة لأنهُنْ اخترنَ نفس النذر والدرب ، ولكنهُنْ اختلفنَ بعد ذلك في الطريق ، لأنَّ بعضهِنْ أعدَّ مؤنة وافرة لمصابِيحِهِنْ التي كانت تُقاد بالزيت ، ولكن الخمس الأُخريات كُنَّ مُهمِلات يُفكِرنَ فقط في الزمان الحاضِر ، وهكذا انقسمت العذارى إلى مجموعتين :
الأولى حفظت حواسها الخمس ، تلك الحواس التي يعتبرها مُعظم الناس أبواب الحكمة ، نقية غير مُدنسة بالخطايا ، بينما الثَّانية على النقيض ، أفسدنَ أنفُسِهِنْ بكثرة من الخطايا ، ودنسنَ أنفُسِهِنْ بالشر ، ولأنهُنْ لم يستعبدنَ أنفُسِهِنْ ويضبُطنَّها ولكونِهِنَّ بعيدات عن كلّ بر ، لذل حملنَ ثِماراً كثيرة من التعدي والإثم ، وكانت نتيجة ذلك أن مُنِعنَ من الدخول وأُغلِقت الأبواب الإلهية في وجُوهِهِنْ .
ويُعرِّف القديس ميثوديوس العذراء التي تستحِق أن تُدعى باسم الخمس عذارى الحكيمات : هي تلك التي تحفظ إيمان الطُرُق الخمس المُؤدية للفضيلة – النظر والتذوق والشم واللمس والسمع – نقياً صحيحاً ، لأنها حفظت حواسِها الخمس نقية طاهرة للسيِّد المسيح ، وكمصباح تجعل نور القداسة يُشرِق بوضوح وبهاء من خلال الحواس كلّها كما علَّم السيَّد نفسه قائِلاً : ” جِئتً لأُلقي ناراً على الأرض فماذا أُريدُ لو اضطرمت “ ( لو 12 : 49 ) ، وهو هنا يقصِد بكلمة ” الأرض “ أجسادنا التي تمنَّى أن تشتعِل فيها الحركة السريعة والانتشار النَّاري المُتقِد الحماس ، والزيت يُمثِّل الحكمة والبِّر ، لأنه بينما تُمطِر النَّفْس بسخاء وتسكُب هذه الأشياء النبيلة على الجسد ، يشتعِل نور الفضيلة ولا ينطفِئ ، فتُضِئ هذه الأعمال الصالحة البَّارة أمام الناس ( لكي يتمجَّد أبانا الذي في السموات ) ( مت 5 : 16 ) .
جعالة البتولية
وعلى لِسان إحدى العذارى يقول القديس البتول : ” إني مخطوبة للكلِمة الإلهي ، وجعالتي هي إكليل الأبدية والغِنَى الذي من عند الآب ، وأنا أنتصِر في الأبدية وأُتوج بزهور الحكمة المُشرِقة التي لا تذبُل .... إني واحدة في الخورس مع المسيح الذي يُوزع مُكافآته في السماء ، ذلك الخورس الواقِف حول الملِك غير المُبتدِئ الأبدي ... لقد صِرتِ حاملة لمصباح ذي أنوار لا يُدنى منها ، وأشترك في تسبحة رُؤساء الملائِكة الجديدة ، مُعلِنة النِعمة الجديدة التي للكنيسة “ ، ثم يُقدِّم سبب حديثه هذا ، وهو أنَّ جماعة العذارى يتبعنَ الرب دوماً ومعه أينما يكون ، وهذا ما رَمَزْ إليه يوحنَّا البتول الرَّائي بحديثه عن الأربعة والأربعين ألفاً البتوليين ( رؤ 7 : 4 )، ثم يحِث العذارى قائِلاً :
” إمضينَ إذاً أيتها العذارى واملئنَ آنيتكُنْ بالبِّر لأنَّ الساعة آتية عندما يجب أن تقومنَ وتُقابِلنَ العريس ، اذهبنَ واترُكنَ بخِفَّة ملذات ومسرَّات الحياة التي تُربِك النَّفْس وبذا يُمكنكُنْ أن تحصُلنَ على الوعود الإلهية “ .
بعد ذلك يُوضِح القديس أنه لن يُقدِّم مدحاً للبتولية من مُجرَّد كلام بشري بل من ذاكَ الذي يهتم بالإنسان ويعتني به ، فهو الذي زرع هذه النبتة السمائية ( البتولية ) وهو مُحِب لجمالها ، وكما يفعل ميثوديوس في كلّ صفحات كِتابه ، هكذا هنا أيضاً يُعضِد حديثه بأدلة وشواهِد كِتابية ، وهنا يتحدَّث من سِفْر نشيد الأنشاد ، فيقول أنَّ كلامه واضِح تماماً في سِفْر النشيد لمن يُريد أن يراه ، حيث يمدح المسيح بنفسه هؤلاء الذينَ يعيشون بثبات في بتولية قائِلاً : ” كالسُّوسنة بين الشَّوكِ كذلك حبيبتي بين البنات “ ( نش 2 : 2 ) مُشبِهاً العِفة بالسَّوسن بسبب نقاوته وشذاه العَطِر وحلاوته وبهجته ، فالعِفة مثل نبات ربيعي دائِماً تخرُج أبدية من بَتَلاَتِها وزنَابِقها البيضاء ، لذلك يُحِب الرب جمال تفتُّحها قائِلاً : ” قد سبيتِ قلبي يا أُختي العروس قد سبيتِ قلبي بإحدى عينيكِ بقلادةٍ واحدةٍ من عُنقِكِ . ما أحسن حُبَّكِ يا أُختي العروس كم محبَّتُكِ أطيبُ من الخمر وكم رائحة أدهانِكِ أطيبُ من كلِّ الأطياب . شفتاكِ يا عروس تقطُرانِ شهداً . تحت لِسانِكِ عسل ولبن ورائحةُ ثيابِكِ كرائحة لُبنان . أُختي العروس جنَّة مُغلقة عين مُقفلة ينبوع مختوم “ ( نش 4 : 9 – 12 ) .
فهذا المديح يقوله السيِّد المسيح لهؤلاء الذين يحيون البتولية مُسمياً إيَّاهم جميعاً بالاسم الواحِد الذي لعروسه ، لأنَّ العروس يجب أن تُخطب للعريس وتُدعى باسمه ، ويجب أن تكون طاهرة نقية كحديقة مُغلقة تفوح فيها روائِح وشذا السموات ، والمسيح وحده يأتي ويجمعهم وهم يُزهِّرون ويحملون بِذاراً روحية ، لأنَّ الكلِمة لا يُحِب أي شيء من أشياء الجسد ، لأنه ليس من هذه الطبيعة لكي يُسَرْ بأيٍ من الأشياء الفاسِدة الجِسدانية الفانية ، مثل الأيدي أو الوجه أو الأقدام ، ولكنه ينظُر إلى الداخِل ويُسَرْ بالجمال الروحي الغير مادي .
ويُعلِّق القديس ميثوديوس الأوليمبي قائِلاً أنه من الواضِح للجميع أنه توجد قُوَّتان للنظر ، واحدة للنَّفْس وأخرى للجسد ، ولكن الكلِمة اختار تلك التي للفهم فقط قائِلاً : ” قد سبيتِ قلبي بإحدى عينيكِ بقلادةٍ واحدةٍ من عُنقِكِ “ ( نش 4 : 9 ) ، وهذا يعني : أنَّ نظر ورؤية عقلِك الجميلة ، قد جعلت قلبي يُحِبِك ، فجمال العِفة المجيد البهي يُشرِق من داخِلِك ...
فقلائِد العُنُق تتكوَّن من أحجار كريمة مُتنوعة ، والنَّفْس التي تهتم بالجسد تضع حول عُنُقها الخارجي الجسدي هذه الزينة المنظورة لتخدع هؤلاء الناظرين إليها ، أمَّا هؤلاء الذين يحيون في عِفة وبتولية فيُزينون أنفسهم في الداخل بزينة مُكونة حقاً من أحجار كريمة مُتعدِّدة الأنواع أي الحُرية والحِكمة والمحبة و.... ولا يهتمون بالزينة الوقتية التي ، مثل أوراق الشجر التي تزهر وتينع لمُدة ساعة ، تجِف بحدوث تغيُّرات الجسد ، لأنَّ في الإنسان جمالين ، لكن الرب لا يقبل إلاَّ الجمال الأبدي الذي في الداخِل ، يقبله قائِلاً : ” قد سبيتِ قلبي بقلادةٍ واحدةٍ من عُنقِكِ “ وهو يُريد بهذا أن يقول أنَّ ما يجعله يُحِب الإنسان هو بهاؤه الداخلي الذي أشرق في مجده ، كما يقول المزمور ” كلّ مجد ابنة الملِك من الداخِل “ ( مز 45 : 13 ) .
وخوفاً من أن يظُن البعض من كلامه أنَّ العذارى وحدهُنْ سيخلُصنَ ويتبرَّرنَ ، أوضح القديس ميثوديوس أنه يجب أن لا يظُن أحد أنَّ باقي جماعة المُؤمنين ستُدان ، وأنَّ العذارى وحدهُنْ سينِلنَ المواعيد الإلهية ، لأنه سيكون هناك أُمم وقبائِل وألسِنة بمقدار إيمان كلٍّ منهم ، ويقول القديس بولس الرَّسولل : ” مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر ومجد النجوم آخر . لأنَّ نِجماً يمتازُ عن نجمٍ في المجد ، هكذا أيضاً قيامة الأموات “ ( 1كو 15 : 41 – 42 ) والرب نفسه لم يعِد بأنه سيُعطي نفس المجد والكرامة للجميع ، بل وَعَدْ البعض أنهم سيُحصَونَ في ملكوت السموات ، وآخرين بأنهم سيرِثون الأرض وآخرين بأنهم سوف يرونَ الآب : ” وهنا أيضاً يُعلِن أنَّ خورس العذارى المُقدس سيدخُل أولاً في مَعِيته هو إلى الحياة العتيدة في الملكوت ، كما إلى حُجرة العُرْس ، لأنهُنْ كُنَّ شهيدات ليس باحتمال ألامات الجسد لفترة قصيرة وجيزة بل باحتمالها طُوال حياتِهِنْ ، لم يتمزقن من المُصارعة في السَّاحات والمُجتلِدات أملاً في الفوز بجائزة العِفة ، بل قاومنَ عذابات الشهوات والمخاوِف والأحزان الشرِسة ، لذا يأخُذنَ مُكافأتهِنْ أوِّل الكلّ ويجلسنَ في المكانة الأولى التي لهؤلاء الذين ينالون الوعد “ وهذه بلا شك هي النِفوس التي دعاها الكلِمة عروسه وأُخته ، ولكن عن باقي السَّراري والعذارى كتب : ” هُنَّ سِتُّونَ مَلِكَةً وثمانون سُرِّيَّةً وعذارى بلا عددٍ . واحدة هي حمامتي كامِلتي . الوحيدة لأُمِّها هي . عقيلةُ والِدتها هي . رأتها البناتُ فطَّوبنها . المَلِكَاتُ والسَّراري فمدحنها “ ( نش 6 : 8 – 9 ) ” لأنه من الواضِح أنَّ هناك بنات كثيرات للكنيسة ، ومِنهُنْ كُلَّهُنْ واحدة فقط هي المُختارة ، الأعظم في عينيها من الكلّ ، أعني جماعة وخورس العذارى “ .

البتولية والكنيسة
ثم يشرح القديس أنَّ الكنيسة هي العروس الوحيدة الكامِلة للمسيح ، فلا الملكوت ولا السَّراري ولا العذارى اللائي بلا عدد يُقارنَّ بالكنيسة ، لأنها هي الكامِلة المُختارة ، العروس التي تفوق الجميع في جمال الشباب والبتولية ، لذلك يُطوِبها ويمدحها الجميع ، لأنها رأت وسمعت ما أراد هؤلاء أن يروه ، ولو لفترة وجيزة ، ولم يروه ، وما أرادوا أن يسمعوه ولم يسمعوا ، كما قال الرب لتلاميذه : ” ولكن طُوبى لعيونِكُم لأنها تُبصِر ولآذانِكُم لأنها تسمع . فإني الحق أقولُ لكم إنَّ أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتُم ترونَ ولم يروا . وأن يسمعوا ما أنتُم تسمعون ولم يسمعوا “ ( مت 13 : 16 – 17 ) ، لذا يعتبرها الأنبياء مُباركة ومُطوبة ويمدحونها ، لأنَّ الكنيسة استحقت أن تُشارِك في هذه الأشياء التي لم يستطيعوا أن يروها أو يسمعوها لأنه بينما هُناك ” سِتُّونَ مَلِكَةً وثمانون سُرِّيَّةً وعذارى بلا عددٍ “ إلاَّ أنه ” واحدة هي حمامتي كامِلتي “ .
ويُعلِّق القديس ميثوديوس ” أيستطيع أحد أن يقول الآن شيئاً آخر غير أنَّ العروس هي جسد الرب التي من أجلِها أخلى نفسه ونزل إلى الأرض وتجسَّد وسكن فيها ؟ “ ويرى أنه لذلك دعاها ” حمامة Dove “ لأنها مخلوق وديع وأليف وهي وحدها التي وُجِدَت بلا عيب ولا غَضَنْ ، مُتفوقة على الجميع في المجد وجمال البِّر ، لذلك استحقت أن تشترِك في ملكوت الابن الوحيد ، لأنها خُطِبَت له واتحدت به ، وفي المزمور ( 45 ) نجد أنَّ الملِكة تقِف عن يمين الملِك ، مُرتدية زينة الفضيلة الذهبية ، فهي التي اشتهى الملِك حُسنها ، حَمَلْها الكلِمة نفسه إلى السماء وجعلها عن يمين الله ، لأنَّ ثيابها منسوجة ومُطرزة بفضائِل عِدَّة : العِفة ، الاحتمال ، الإيمان ، المحبة ، الصبر ، وفضائِل كثيرة صالِحة تُغطي وتُخفي جسد هذا الموت وتُزيِّن الإنسان بزينة من ذهب .
مجد البتولية
ويستكمِل القديس ميثوديوس تأمُّله في المزمور ، ويشرح قوله ” في إثرِها عذارى صاحِباتُها . مُقدَّماتٍ إليكَ يُحضَرْنَ بفرحٍ وابتهاجٍ “ ( مز 45 : 14 – 15 ) ، فيرى القديس أنَّ الروح هنا يمدح البتولية بوضوح كعروس للرب ، فقد وعد العذارى أن يقتربن في المكان الثَّاني بعد العروس من الكُلِّي القُدرة بفرح وابتهاج ، تحرسهُنَّ وتحميهُنَّ الملائِكة ، ” لأنه عظيم جداً ومُشتهى حقاً هو مجد البتولية ، فبعد الملِكة التي يرفعها الرب ويُقدِّمها في مجد طاهِر بلا خطية إلى الآب ، يأتي خورس العذارى ويجلِس في مكان تالٍ لذلك الذي للعروس ( الكنيسة ) “ .
ثم يتساءل القديس عن أصل كلِمة بتولية ، ولماذا دُعِيَت هذه الفضيلة الفائِقة العظيمة ” بتولية Παρθενια “ ويرى أنه من أصلها يُمكننا أن نعرِف ما تهدِف إليه ، وما هي قُوَّتها ، وما هو ثمرها ونتائِجها ، ” إذ أنَّ البتولية إلهية Divine بتغيير حرف واحد “ فبحذف حرف ألـ ” ν “ الموجود في كلِمة ” بتولية Παρθενια “ تصير الكلِمة هكذا ” Παρθεια “ التي تعني ” إلهية Divine “ لأنَّ هذه الفضيلة وحدها تجعل ذلك الذي يقتنيها والذي يُمارِس طقوسها شبيه بالله ، ” وبدونِها يستحيل إقتناء الصَّلاح العظيم ، لأنها بعيدة تماماً عن السرور والحُزن ، بأجنحة النَّفْس تصير أقوى وأخف ، وتعتاد على الإنطلاق والطيران دوماً بعيداً عن الأهواء البشرية “ .
ويقول القديس أنَّ هؤلاء الذين صعدوا على جِناح خفيف إلى الحياة السمائية ، يرونَ في عُلوِهِمْ وبُعدِهِمْ ما لا يراه الآخرون ، وينظرون نباتات الأبدية تحمِل زهوراً لا يُمكن تخيُّل جمالها ولا يُوصف ، ولهذا السبب يرونَ أنَّ كلّ هذه الأشياء التي نظُن هنا في العالم أنها نبيلة وعظيمة ، مثل الغِنَى والمجد والميلاد والزواج ، كلّها صغيرة وضئيلة ، ولا يعودون يُفكِّرون فيها ، وإذا كان على أحدهم أن يختار أن يترُك جسده للوحوش الضارية أو للنيران أو أن يُعاقب ، نجدهم مُستعدين لا يُبالون بالآلام ولا يهابونها ، لذلك مع أنهم في العالم إلاَّ أنهم ليسوا من العالم ، بل ارتقوا بفكرِهِم ورغبِة نِفوسِهِمْ ، إلى جماعة الذينَ في السماء .
وجِناح البتولية يُحلِّق عالياً نحو السماء ، مُنطلِقاً إلى وفي المناخ النقي الطاهِر ، وإلى الحياة المُماثِلة للملائِكة ، وهؤلاء الذينَ استمروا بتوليين أنقياء للسيِّد المسيح سيحملون جائزة النُّصرة وسيُكلِّلهُم السيِّد المسيح بزهور الأبدية Flowers of Immortality ، لأنه ما أن تترُك نِفوسهم الجسد ، حتّى تُقابلهم الملائِكة بفرح عظيم وتقودهم إلى المراعي التي نسمع عنها هنا ، والتي إليها كان اشتياقِهِمْ ، وكانوا يتأمَّلون فيها في خيالهم لأمد طويل .
وعندما يذهبون إلى هناك سيرونَ الأشياء الجميلة العجيبة المجيدة المُباركة التي لا يُمكن الحديث عنها للبشر ولا يُعبَّر عنها ، فهناك يرونَ البِّر نفسه ، والتعقُّل والمحبة نفسها ، والحق والاعتدال والاحتمال ، وكلّ زهور ونباتات الحِكمة الأخرى ، وكلّها مُشرِقة وساطعة إشراقاً لا نرى منه هنا على الأرض إلاَّ ظِلالاً وخيالات كما في حلم ، لأنه لم يرَ أحد قط بعينيهِ عِظَم أو جمال أو شكل البِّر نفسه أو الفهم نفسه أو السلام نفسه ، ولكن فيه هو الذي اسمه ” أنا الكائِن I AM “ ( أهيه ) يُرى كلّ هذا كامِلاً وواضحاً ، وهناك شجرة للاحتمال نفسه وأخرى للمحبة وأخرى للفهم ، وهناك أيضاً نباتات تنبُت وتُجمع ثِمارِها ولا تذبُل ولا تفسد أو تموت بل هؤلاء الذينَ يجمعونها ينمون إلى الأبدية وشِبْه الله ، تماماً مثلما كان آدم ، عندما كان في الفِردوس قبل أن يسقُط في الخطية وتُعمى عينيه .
فقد عيَّن الله الإنسان لكي يُهذِّب ويعتني بنباتات الحِكمة ، لأنَّ عمل آدم الأوَّل كان أن يهتم بثمارِها ، وقد رأى إرميا النبي أنَّ هذه الأشياء توجد في مكان مُعيَّن بعيداً جداً عن عالمنا ، وفي اشفاقه على هؤلاء الذينَ سقطوا من الصلاح ، يقول ” تعلَّم أين الفِطنة ( الحِكمة ) وأين القُوَّة وأين التعقُّل لكي تعلم أيضاً طُول الأيام والحياة وأين نور العيون والسَّلام . مَنْ وَجَدَ موضِعها ومَنْ بَلَغَ إلى كِنوزِها “ ( با 3 : 14 – 15 ) ، والعذارى اللاتي دخلن إلى كِنوز الأشياء الصَّالِحة يجمعنَ الثِمار العاقِلة التي للفضائِل الصَّالِحة ، وهذه الثِمار مُشرِقة بأنوار مُتعدِّدة ومُتنوعة ، عندئذٍ تُسبِّح العذارى بهارمونية وتناغُم ، مُعطِيات المجد لله .
اقتناء البتولية بالجهاد الروحي
ويحِث القديس ميثوديوس العذارى على الجِهاد الروحي قائِلاً : ” أيتها العذارى ، لِنُجاهِد من أجل الحياة الطوباوية ومن أجل ملكوت السموات ، ولتتحدنَ بهؤلاء الذينَ لهم اشتياق حار لمجد العِفة ، ولا يهتمون بأمور هذه الحياة “ ..
ويشرح لهُنَّ أنَّ العِفة لا تُضيف إلى السعادة قليلاً ، فهي ترفع الجسد عالياً وتُجفِّف طراوته ونداوته وثِقَلُه الشبيه بالطين ، ويُحذرنا القديس من أن ندع الحُزن يُغيِّر فرحنا ، بل يجب أن نترُك الأحزان التي تأتينا ولا نُدنِس عِقولنا بالمراثي أو النِواح ، وليغلِب الإيمان والرجاء كلّ هذا ويُبدِّد بنوره كلّ خيالات الشر التي تتجمَّع حول قُلوبِنا ، ” لأنه كما أنَّ القمر يُضِئ ببهاء مالِئاً السماء من نوره ، ويُصبِح الجو كلّه صافياً واضحاً ، ثم فجأة تندفِع سُحُب الغرب بحسد وتُغطي وتُخفي نوره لفترة وجيزة ، ولكنها لا تُدمره أو تُزيله لأنها تُزال من مكانها بهبَّة من الريح ، هكذا أنتم أيضاً ، عندما تجعلون نور العِفة يسطُع في العالم ، ورغم أنه يجد مُقاومة من الضيقات والأعمال والمشغوليات ، لكن لا تيأسوا ولا تترُكوا رجائكم ، لأنَّ السُّحُب التي يُرسِلها العدو الشِّرِّير يُزيلها روح الله القدوس “ .
يتحدَّث القديس بعد ذلك عن امرأة سِفْر الرؤيا ( رؤ 12 : 1 ) ، ويستخدِم المنهج الرمزي كعادته ويشرح أنَّ هذه المرأة المُلتحِفة بالشمس وعلى رأسها اثنى عشر نِجماً والقمر تحت قدميها ، وتحمِل طِفلاً ، هي بالحقيقة ” أُمِنا أيتها العذارى “، التي دعاها الأنبياء أحياناً أورشليم ، وأحياناً العروس ، وأحياناً جبل صِهيون ، وأحياناً الهيكل ، وأحياناً خيمة الله ، لأنها هي القُوَّة التي تُعطي النور للأنبياء ، لذا يصرُخ الروح ويقول لها :
قُومي استنيري لأنه قد جاءَ نُورُكِ ومجدُ الرب أشرقَ عليكِ . لأنه ها هي الظُّلمةُ تُغطي الأرض والظَّلام الدَّامِس الأُمم . أمَّا عليكِ فيُشرِق الرب ومجدهُ عليكِ يُرى . فتسيرُ الأُممُ في نورِكِ والمُلُوكُ في ضِياء إشراقِكِ . اِرفعي عينيكِ حواليكِ وانظُري . قد اجتمعوا كلُّهم . جاءوا إليكِ . يأتي بنُوكِ من بعيدٍ وتُحملُ بناتُكِ على الأيدي “ ( إش 60 : 1 – 4 ) .
” إنها الكنيسة التي سيأتي إليها أطفالها من كلّ الأرجاء ، وهي تتهلَّل وتفرح بِنَوَال النور الذي لا يخبو ، وتلتحِف ببهاء الكلِمة كثوب ، لأنه أي شيء آخر أعظم كرامة أو مجد يليق بالمَلِكة أن تتزيَّن به لكي تتقدَّم كعروس للرب ، بعد أن نالت ثوب النور .
لِننظُر إلى هذه المرأة العجيبة كما ننظُر لعذارى مُستعِدات للزواج ، نقيات طاهِرات كامِلات مُشرِقات بجمال دائِم ، لا ينقُصهُنَّ شيء من بهاء النور ، وعِوَضاً عن الثوب تلتحِف بالنور نفسه ، وعِوَضاً عن الأحجار الكريمة تتزيَّن رأسها بالنجوم المُتلألأة ، وبدلاً من الثِياب التي نملُكها ، تقتني ثوب النور ، وبدلاً من الذهب والجواهِر البرَّاقة ، تقتني النجوم ، ولكن نجوماً ليست كهذه التي نراها في السماء المنظورة بل نِجوماً أفضل وأكثر تألُقاً ولمعاناً ، فهذه النِجوم المنظورة ما هي إلاَّ صورة وشِبْه لتلكَ النجوم الأعظم والأفضل “ .
ويستمِر القديس ميثوديوس في شرحه الإنجيلي ويتحدَّث عن البِّريَّة التي هربت إليها المرأة والتي سيعولها فيها الله ألفاً ومئتين وستينَ يوماً ، ويمدح هذه البِّريَّة قائِلاً أنها بحق عقيمة من الشر ولا مكان له فيها ، وبلا فساد ويصعُب الوصول إليها أو الانتقال منها للناس الكثيرين الذينَ في العالم ، ولكنها مُثمِرة مليئة بالنباتات ومُزهرَّة وسهلة الوصول بالنسبة للقديسين ، ومُمتلِئة من الحِكمة ومُعطية للحياة ، فهي المسكن الجميل المُعد بإتقان لأريتي Arete أي الفضيلة ، وفيها تستيقِظ الرِياح الجنوبية وتهُب الرِياح الغربية ، وتقطُر كلّ أنواع أطيابِها ( نش 4 : 16 ) ، وتمتلِئ كلّ الأشياء من الندى المُنعِش وتُكلَّل بالنباتات التي لا تذبُل التي للحياة الأبدية ... فيها نجمع الزهور وننسِج بأصابِع مُقدسة ثوب الأُرجوان وإكليل البتولية المجيد البهي من أجل الملِكة ، ” لأنَّ عروس الكلِمة تتزيَّن بثِمار الفضيلة “ .
إذاً ، الكنيسة التي تذهب إلى البِّريَّة – وهي مكان خالِ من الشهوة – تتغذَّى وتتقوَّى ” وتطير نحو السماء على أجنِحة البتولية Winges of Virginity “ التي دعاها الكلِمة ” أجنحة نسر عظيم “ ( حز 17 : 3 ) بعد أن غلبت الكنيسة الحيَّة القديمة وأزالت من أمام قمرها الكامِل كلّ السُّحُب الشِتوية ، لذا يجب علينا أن نقتدي ونتمثَّل بأُمنا وبحسب قُدرِتنا يجب أن لا ننزعِج بسبب آلام أو تغيُّرات أو ضيقات الحياة ، كي ندخُل معها في فرح وابتهاج إلى العُرس ، مُمسكين بمصابيحنا ، لذلك ينصحنا القديس ميثوديوس بأن لا نفقِد شجاعتنا بسبب هيئة التنين ، بل بشجاعة نستعِد للمعركة ونتسلَّح بخوذة الخلاص وبِدرع الصدر وبِدرع القدمين ، ” لأنكم ستُوقِعونَ فيه رُعباً هائِلاً عندما تُهاجِمونه بقُوَّة وشجاعة عظيمة ، ومتى رأى مُقاوميه مُتسلحين ومُعضدين بالواحد الأقوى ، لن يُقاتِل ولن يُقاوِم “ .
وينصحنا ميثوديوس بأن نُقاوِم التنين الضخم بدِرعنا ، ولا نستسلِم ولا ننزعِج من عُنفه وغضبه ، لأنَّ مجداً عظيماً سيكون لنا متى هزمناه وأخذنا السبعة أكاليل التي على رأسه والتي من أجلها يجب أن نُجاهِد ونُصارِع ، لأنَّ مَنْ يهزِم الشيطان ويُحطِم رُؤوسه السبعة سينال سبعة أكاليل الفضيلة ، بعد أن يكون قد اجتاز جِهادات وصِراعات العِفة السبعة العظيمة ، لأنَّ الترف وعدم ضبط النَّفْس هُما أحد رُؤوس التنين ، من يُحطمها ينال إكليل الاعتدال ، الجُبْن والضعف رأس آخر ، مَنْ يُحطمه ينال إكليل الشِهادة ، وهكذا ...
ومِنْ سِفْر الرؤيا ينتقِل القديس إلى سِفْر اللاويين ليتحدَّث عن عيد المظال ، وكيف أنَّ الله عندما وضع لإسرائيل الحقيقي الطقوس القانونية لهذا العيد ، أوضح لهم ، في سِفْر اللاويين ، كيف يحفظون العيد ويُكرِّمونه ، قائِلاً لهم أنه يجب على كلّ أحد ، قبل وفوق كلّ شيء ، أن يُزيِّن خيمته بالعِفة ... ” وسأذكُر كلِمات الكِتاب المُقدس نفسه لكي يتضِح منها كم مرضية لله ومقبولة عنده هي البتولية “ :
أمَّا اليومُ الخامِس عشر من الشهر السَّابِع ففيهِ عندما تجمعون غلَّة الأرض تُعيِّدون عيداً للرب سبعة أيامٍ . في اليوم الأوَّل عُطلة وفي اليوم الثَّامِن عُطلة . وتأخذون لأنفُسِكُم في اليوم الأوَّل ثمر أشجارٍ بهجةٍ وسعف النخل وأغصان أشجار غبياء وصفصاف الوادي و« شجرة العِفة » )*( . وتفرحون أمام الرب إلهكُم سبعة أيامٍ . تُعيِّدونهُ عيداً للرب سبعة أيامٍ في السنة فريضةً دهريةً في أجيالكُم . في الشهر السَّابِع تُعيِّدونهُ . في مظال تسكُنُون سبعة أيامٍ . كُلُّ الوطنيين في إسرائيل يسكُنُون في المظال . لكي تعلم أجيالُكُم أني في مظال أسكنتُ بني إسرائيل لمَّا أخرجتُهُم من أرضِ مصر . أنا الرب إلهُكُمْ “ ( لا 23 : 39 – 43 ) .
فكلّ مَنْ يشتاق إلى حُضور عيد المظال لِيُحصى مع القديسين ، عليه أولاً أن يُجاهِد ويحصُل على ثِمار الإيمان الصَّالِحة المُبهِجة ثم سعف النخل الذي هو التأمُّل الصَّاحي الواعي في الكِتاب المُقدس ودِراسته ، وبعد ذلك أغصان المحبة المُنتشرة الكثيفة الأوراق التي يأمُرنا الله أن نأخُذها بعد أغصان النخيل ، مُشبِهاً المحبة بأغصان كثيفة لأنها ملآنة كلّها وقريبة ومُثمِرة جداً وليس فيها شيء عارِ أو فارِغ بل كلّها ملآن : الأغصان والجِذع ، وبالمِثل لا يوجد في المحبة أي شيء فارِغ أو عقيم لأنه ” إن كانت لي نُبُوَّة وأعلمُ جميع الأسرار وكُلَّ عِلْمٍ وإن كان لي كُلُّ الإيمان حتَّى أنقُل الجِبال ولكن ليس لي محبَّة فلستُ شيئاً . وإن أطعمتُ كُلَّ أموالي وإن سلَّمتُ جسدي حتَّى أحترق ولكن ليس لي محبَّة فلا أنتفِعُ شيئاً “ ( 1كو 13 : 2 – 3 ) لذا المحبة هي أكبر الأشجار وأكثرها ثمراً .
ويتساءل القديس : ” ما الذي يُريدنا أن نفعله بعد هذا ؟ “ ويُجيب بأنه يُريد أغصان الصفصاف التي يرمُز بها إلى البِّر لأنَّ النبي يقول عن البَّار ” ينبُت مِثل الصَّفصاف على مجاري المياه “ ( إش 44 : 4 ) . وأخيراً لِيُتوج الكُلّ ، أوصى بأن يُحضِر غُصن من شجرة ألـ Agnos)*( لِتُزين الخيمة لأنها هي شجرة العِفة ...
” ليذهب العابِثون الآن الذين ، بسبب حُبُّهم للشهوات والملذات ، رفضوا العِفة ، كيف سيدخلون إلى العيد ، هؤلاء الذين لم يُزيِنوا خيمتهم بأغصان العِفة ، تلك الشجرة المُباركة التي صنعها الله ؟ “ ، ويدعو ميثوديوس العذارى قائِلاً : ” تعالوا أيتها العذارى لنتأمَّل في الكِتاب المُقدس ووصاياه ، لِنرى كيف أنَّ الكلِمة الإلهي جعل العِفة تاج هذه الفضائِل التي ذكرناها ، ونعلم كم هي لائِقة ومرغوبة من أجل القيامة ، وكيف أنه بدونها لا يستطيع أحد أن ينال المواعيد ، وكما نقتني نحن الذين نذرنا بتوليتنا هذه العِفة ، كذلك يقتنيها أيضاً هؤلاء الذين يعيشون مع زوجاتِهِمْ “ .
وينصح القديس هؤلاء الذين يحبون الجِهاد ، الأقوياء الذِهن ، أن يُكرِّموا العِفة كشيء مجيد جداً ، كثير الفائِدة والنفع ، لأنَّ كلّ من يوجد في الحياة الأبدية غير مُتزيِن بأغصان العِفة لن ينال الراحة لأنه لم يَطِع وصية الله بحسب الناموس ولم يدخُل أرض الموعِد ، لأنه لم يحتفِل مُسبقاً بعيد المظال ، إذ لن يدخُل الأرض المُقدسة إلاَّ الذين احتفلوا بعيد المظال .
بعد أن نصح القديس هؤلاء الذين يحبون الجِهاد بأن يكرِموا العِفة ، يبدأ هو نفسه في مدحها ، لأنه لا شيء يُعين الإنسان في طريق الكمال مثل العِفة ، لأنها وحدها تجعل النَّفْس محكومة مضبوطة وتحفظها حُرَّة نقية من العالم ، لذا عندما علَّمنا السيِّد المسيح أن نقتنيها وأظهر لنا جمالها الفائِق ، دُمِرت مملكة العدو الشِّرِّير، الذي قبل الزمان أسَرْ واستعبِِد كلّ جِنْس الإنسان ، لذلك لم يُرضي القُدماء الله ، لأنَّ الناموس وحده لم يكُن كافياً لتحرير الجِنْس البشري من الفساد ، حتّى أشرقت البتولية بعد الناموس وحُكِمت البشرية بوصايا الله ، وما كان البشر الأوَّلون لِيُقاتِلوا ، لأنَّ الناموس لم يكُن كافياً لخلاصِهِمْ ، ولكن منذ أن تجسَّد المسيح وتزيَّن جسده بالبتولية ، تحطَّم الطاغية الهمجي الذي هو سيِّد الخطية ، فَسَادَ السلام والإيمان والغلبة .
يرى القديس ميثوديوس أنَّ شجرة العُلِّيقة تمدح البتولية والعِفة ، لأنَّ العُلِّيقة وشجرة ألـ Agnos هما نفس الشجرة ، لكن البعض يُسمونها عُلِّيقة والبعض الآخر Agnos وربما كان ذلك لأنَّ كليهِما مُرتبِط بالبتولية التي دُعِيَت عُلِّيقة وAgnos :
عُلِّيق : بسبب قُوَّتها وثباتها أمام الشهوات .
Agnos : بسبب عِفتها الدائِمة .
لذلك يذكُر الكِتاب المُقدس أنَّ إيليا النبي وهو يهرب من وجه المرأة إيزابِل ( 1مل 19 : 4 ) أتى أولاً تحت شجرة العُلِّيق ، وهناك أُعطِيَ قُوَّة وطعاماً ، وهذا يرمُز إلى أنَّ ذاك الذي يهرب من الشهوات ، من امرأة ، تكون له شجرة العِفة ملجأ وظِلْ .
ويرى القديس أنَّ التدريب الذي يُعِد النَّفْس منذ الطفولة للمجد البهيج جداً والمجيد ، ويزرع في النَّفْس رجاءً كبيراً ، هو العِفة التي تهِب الأبدية لأجسادنا ، وتجعل البشر يُفضِلونها بإرادتهم ويمدحونها فوق كلّ الأشياء الأخرى ... والبعض عن طريقها يُخطبون للكلمة ويحيون في بتولية .
أطوار الحياة الروحية وبلُوغ الفضيلة
هنا يبدأ القديس ميثوديوس في الحديث على لِسان أريتي ( التي يعني اسمها الفضيلة ) فلأنها كبيرة العذارى ومُضيفتِهِنْ ، وهي التي تُمثِّل الفضيلة ، لذلك على لِسانها يتحدَّث القديس عن أعلى الأمور الروحية وعن الحروب التي تُهاجِم المُتقدمين ، فبعد أن تحدَّث عن الأمور التي تخُص المُبتدئين والمُجاهدين ، يبدأ في الحديث إلى المُتقدمين ويشرح أنَّ كلّ مَنْ يُعلِّم أنَّ العِفة يجب أن تُختار وأن تكون الأولى بين جِهادات الإنسان حسناً ينصح ، لكن بينما يظُن كثيرون أنهم يُمجدونها ويحيونها ، قليلون هم الذين يُمجِّدونها ويُكرِّمونها حقاً ، لأنه ليس ذلك الذي درس كيف يستعبِد جسده وشهوات المسرَّات العالمية هو الذي يحيا العِفة ، وهو غير مُتيقِظ لباقي الشهوات ، بل يهينها بالشهوات الرديئة ، مُستبدِلاً شهوات بشهوات ، ولا يحيا العِفة أيضاً ذاكَ الذي قاوم بقُوَّة شهوات الحواس ، ولكنه انتفخ وتكبَّر بالمجد الباطِل، ولهذا يستطيع أن يُقمِع سِهَام الشهوة المُحرِقة ويجعل كلّ الشهوات كلا شيء ، ومع ذلك لا يستطيع أن يتعلَّم أن يُمجِّد العِفة ويُكرِمها ، لأنه يهينها بسبب العجب والغرور ، مُنظِفاً خارِج الكأس والصحفة التي هي اللحم والجسد ، بينما يجرح القلب بالغرور والعجب الباطِل ، وكذلك لا يُكرم البتولية من يُعجب بِغِناه وثرواته ، بل هو يهينها أكثر من الكلّ ، مُفضِلاً أن يربح القليل عن تلك التي لا يُضاهيها شيء من الأشياء التي في هذه الحياة ، لأنَّ كلّ الغِنَى والذهب هو ” قليل من الرمل “ ( حكمة 7 : 9 ) ، ولا يُكرم العِفة أيضاً مَنْ يُحِب نفسه أكثر من اللازم ويُفكِر بلهفة فيما هو نافِع له هو فقط مُتجاهِلاً احتياجات أقربائِهِ ، بل هو يهينها ، لأنَّ ذاكَ الذي ليس فيه محبة ورحمة وشَفَقَة هو أقل بكثير من هؤلاء الذين يحيون العِفة بوقار ، ومن غير الصواب أنه بينما نحن نحفظ البتولية من ناحية ، نُدنِس النَّفْس بأفعال الشر وبالشهوات من الناحية الأخرى ، أو أن نُنذِر النقاوة والعِفة ، ثم نُدنِسها بالانغماس في الرذيلة ، أو أن يقول الإنسان أنَّ أشياء هذا العالم لا تعنيه في شيء ولا قيمة لها في نظره ، بينما هو يسعى ليحصُل عليها وينالها ، إذ أنَّ الأعضاء كلّها ينبغي أن تُحفظ طاهرة من كلّ فساد ، ليس فقط الأعضاء الزيجية ، بل أيضاً باقي الأعضاء التي تُحارِبها الشهوات ، لأنه من العبث والسخف أن نحفظ أعضاء التكاثُر والإنجاب طاهرة ولا نحفظ اللِسان ، أو أن نحفظ اللِسان ولا نحفظ العينين والأُذُنين واليدين ، أو أن نحفظ هذه كلّها طاهرة ولا نحفظ الذهن ، مُدنسين إيّاه بالعَجَبْ الباطِل والغرور والغضب .
ويُعلِن القديس ميثوديوس أنه من الضروري لذاكَ الذي عزم على عَيْش حياة العِفة ، أن يحفظ كلّ أعضائه وحواسه نقية طاهرة ، كما هو الحال مع الألواح الخشبية التي تتكوَّن منها السفينة ، والتي يجتهِد صُنَّاع السُّفُن أن يثبِّتوها بإتقان بجوار بعضها البعض لئلاَّ بسبب أي ثغرة ينفتِح طريق للخطية ويتسرَّب داخِل الذهن ، إذ أنَّ الجِهادات العظيمة تتعرَّض لحروب كثيرة ، فالشر يُقاوم ذلك الذي هو بحق صالِح ، لذلك كثيرون من الذين جاهدوا ضد الشهوات الرديئة ، سقطوا بسبب إهمالهم لواجِبات تحتاج إلى يقظة وصحو ، فجلبوا اللوم على المُجاهدين في الطريق الصحيح .

تسبِحة تكلة
في نهاية الوليمة تطلُب أريتي من العذارى أن يُقدِّمنَ المجد والشُّكْر لله ، وتتولَّى العذراء تكلة ( على اسم القديسة تكلة العظيمة تلميذة بولس الرَّسول ) قيادة الخورس ، فسبَّحنَ هذه التسبِحة :
تكلة : من فوق أيتها العذارى ، أتى صوت يُوقِظ الميِّت ، يأمُرنا جميعاً أن نُقابِل العريس في ثِياب بِيض بمصابيح مُتجهة نحو الشرق ، قُومنَ قبل أن يدخُل الملِك من الأبواب .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : لقد هربت من سعادة الفانيين المملوئة بالحُزن ، وتركت مسرَّات الحياة المُترفة ومحبتها ، وأشتاق إلى أن أحتمي تحت ذراعيك المُعطيين للحياة ، وأن أرى جمالك إلى الأبد أيها المُبارك .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : بعد أن تركت الزواج وسرايِر الفانيين ، وبيتي الذهبي من أجلك أيها الملِك ، أتيت إليك في ثِياب نقية كي أدخُل معك إلى عُرسك البهيج .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : بعد أن هربت ، أيها الإله المُبارك ، من خِداعات الحيَّة الكثيرة المُغرية ، ومن ألسنة النار ومن هجمات الوحوش المُفترِسة التي تُدمِر كلّ ما هو زائِل ، أنتظِرك من عُلُو السماء .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : أيها الرب ، لقد نسيت بلدي بشهوة نِعمتك ، ونسيت أيضاً محبة العذارى زميلاتي ، ونسيت الرغبة في أن أكون أُماً وأن تكون لي أُسرة ، لأنكَ أنتَ أيها المسيح كلّ شيء لي .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : أنت مُعطي الحياة أيها المسيح ، المجدُ لك أيها النور الذي لا ينطفِئ ، اقبل تسبيحنا هذا ، إنَّ جماعة العذارى يتضرعنَ إليك أيها الزهرة الكاملة ، أيها المحبة والفرح والتعقُّل والحِكمة ، أيها الكلِمة .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : بأبواب مفتوحة أيتها الملِكة المُزينة بجمال ، اقبلينا في حُجراتِك ، أيتها العروس التي بلا عيب المُنتصِرة بمجد والمُتنفِسة جمالاً ، نحن الواقِفات أمام المسيح مُحتفلين بعُرسِك الفَرِح البهيج أيتها العفيفة الشَّابة .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : العذارى واقِفات بدون زيت ، بِدِموع مُرَّة وأنين عميق وعويل وحُزن عظيم لأنَّ مصابِيحهن انطفأت فلم يدخُلنَ إلى عُرْس الفرح في الوقت المُعيَّن .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : لأنهُنَّ ابتعدنَ عن الطريق المُقدس للحياة ، وأهملنَ – هؤلاء البائِسات – أن يعِدُّوا القدر الكافي من الزيت من أجل طريق الحياة ، لذا يحمِلنَ مصابيح مُنطفِئ نورها وينوحنَ في أعماق ذِهنهِنْ .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : هنا الكؤوس مَلْئَ من الرحيق الحُلو ، لنشرب أيتها العذارى ، لأنه مشروب سماوي ، جعلهُ العريس لهؤلاء المدعوين للعُرْس .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : هابيل ، الذي كان رمزاً واضحاً لموتك أيها المُبارك ، بينما كان دمه مُنسكِب وعيناه مرفوعتين إلى السماء ، قال : أنا المذبوح بقسوة بيد أخي أطلُب إليك أيها الكلِمة أن تقبلني .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : ابنك الشُّجاع يوسف ، أيها الكلِمة ، ربح الجائِزة العظيمة التي للعِفة عندما أرادت امرأة مُشتعِلة بنيران الشهوة أن تجذِبه إلى مضجِع دَنِسْ ، لكنه لم يلتفِت إليها بل هرب عارياً وهو يصرُخ قائِلاً :
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : يِفتاح قدَّم ابنته العذراء ذبيحة لله مثل حَمَلْ ، وإذ صُوِّرت مُسبقاً مثال جسدك أيها المُبارك ، صرخت بشجاعة :
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : يهوديت الشُجاعة ، بحيلة ماهرة قطعت رأس جيش الغُرباء بعد أن أغرته بجمالها لكن دون أن تُدنِس حتّى أطراف جسدها ، وبصيحة المُنتصِر قالت :
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : عندما رأى القاضيان الجمال العظيم الذي لسوسنَّة أتيا إليها وقالا : يا سيِّدتي نحن نُريد أن نضطجِع معكِ سِراً لكنها بارتعاد صرخت :
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : إني أُفضِّل جداً أن أموت عن أُسلِّم نفسي لك أيها المجنون بالنِساء ، وبذا أُعاقب بالعدل الأبدي الذي لله في عِقاب ناري ، خلِّصني الآن أيها المسيح من هذه الشرور .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : سابِقك ( يوحنَّا المعمدان ) كان يغسِل الجموع بمياه طاهرة جارية ، ولكن رجُل شرير ظالِم قتله بسبب عِفِته ، فسقى التُّراب من دمه وصرخ لك أيها المُبارك :
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : أُمك العذراء حملتك في رَحِمَهَا بدون زرع بشر بلا دنس ، وبذا صارت موضِع للشكوك ، وعندما حَمَلَتَك قالت :
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : جُموع الملائِكة ، وهي راغبة في رؤيِة عُرسك أيها المُبارك ، تنزِل من السماء بالقدر الذي تدعوه أيها الملِك ، وهي حاملة عطايا عظيمة لك ، وتأتي في ثِياب طاهرة .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : بتسابيح نُمجِدك ، يا عروس الله المُباركة ، نحن خُدَّام العروس ، أيتها الكنيسة العذراء الطاهرة ، البيضاء كالثلج ، السوداء الشعر ، العفيفة ، النقية ، المحبوبة .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : لقد هرب الفساد وآلام الأمراض المُوجِعة ، لقد أُزيلَ الموت وانتهى الفساد ، لأنَّ نِعمة المسيح الله قد سطعت مرَّة أخرى فجأة فوق الفانيين .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : جماعة العذارى الآن تُسبِّح تسبِحة جديدة وتخدمك وتتطلَّع نحو السماء أيتها الملِكة ، وكلُّهُنْ مُكللات بالسَّوسن الأبيض ويحملن في أيادِيهن أنوار بهية .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...
تكلة : أيها المُبارك ، يا مَنْ جلست على كراسي السماء الطاهرة منذ الأزل ، يا مَنْ تحكُم كلّ الأشياء بقُوَّتك الأبدية ، أيها الآب ، مع ابنك ، اقبلنا داخل أبواب الحياة .
الخورس : إني أحفظ نفسي طاهرة نقية لك أيها العريس ، وأمسِك بمصباح مُضِئ وأذهب لأُقابِلك ...

الفصل الثَّاني
القديس كبريانوس
” ثِياب العذارى “
ON THE DRESS OF VIRGINS
يستهِل القديس كبريانوس كِتابه بالحديث عن التلمذة شارِحاً دوافِعه في الكِتابة ، فالتلمذة هي حارسة الرجاء ورابِطة الإيمان ، المُرشدة لطريق الخلاص ، مُعلِّمة الفضيلة ، وبها نثبُت في المسيح ونحيا دوماً لله ، وننال المواعيد السمائية والجعالات الإلهية ... إتباعها نافِع ومُفيد وإهمالها مُهلِك ومُميت ، فالروح القدس يقول في المزامير : ” وللشِّرِّير قال الله ما لَكَ تُحدِّثُ بفرائِضي وتحملُ عهدي على فَمِكَ . وأنتَ قد أبغضتَ التأديب وألقيتَ كلامي خلفَكَ “ ( مز 50 : 16 – 17 ) ، وكذلك يُحذِّرنا سُليمان : ” يا ابني لا تحتقِر تأديب الرب ولا تكره توبيخه . لأنَّ الذي يُحبُّه الرب يُؤدِبهُ “ ( أم 3 : 11 – 12 ) ، لكن إذا كان الله يُوبِخ مَنْ يُحبُّه لأجل تقويمه وتهذيبه ، فإنَّ الإخوة أيضاً – وخاصَّة الكهنة – لا يُبغِضون مَنْ يُوبخونه بل يُحبُّونه ، إنما هم يُوبخونه لأجل تهذيبه لأنَّ الله قد تنبأ بإرميا قبلاً عندما قال : ” وأُعطيكم رُعاةً حسب قلبي فيرعونكم بالمعرفة والفهم “ ( إر 3 : 15 ) .
ويستطرِد أسقف قرطاچنة شارِحاً أنه إذا كانت التلمذة مُمتدِحة كثيراً وفي كلّ موضِع في الكِتاب المُقدس ، فليس هناك أي شيء آخر يليق بنا أن نشتهيه ونُريده ونتمسَّك به عدا أن نُؤسِس بيوتنا على الصخر غير مُتزعزِعة من عواصِف وزوابِع العالم ، كي نصِل بالتعاليم الإلهية إلى جعالات الله .
ثم يبدأ الكاتِب في تناول موضوع كِتابه بعد هذه المُقدمة ، فيُذكِّر قارئه – أو بالأحرى قارئِته – أنَّ أعضائنا عندما تتطهَّر من دنس المرض القديم بتقديس حميم الحياة أي المعمودية ، تصير هياكِل لله ، فيجب ألاَّ تُهان أو تُدنَّس ، وعلينا نحن عُبَّاد وكهنة هذه الهياكِل أن نُطيع المسيح الذي صِرنا خاصَّته كما يقول بولس الرَّسول : ” أنَّكُم لستُم لأنفُسكُم . لأنَّكُم قد اشتُرِيتُم بثمنٍ . فمجِّدوا الله في أجسادِكُم وفي أرواحِكُم التي هي لله “ ( 1كو 6 : 19 – 20 ) .
ويحِثِنا القديس أن نُمجِّد الله في جسد طاهِر عفيف بطاعة كاملة ، فإذ قد فدانا المسيح ، لابد أن نُطيعه بكلّ طاعة الخدمة ، حتّى لا يدخُل أي شيء دَنِسْ أو غير طاهِر داخل هيكل الله ، لئلاَّ يُهان فيهجُر الهيكل الذي سكنه .
وكلِمات الرب التي تشفينا وتُعلِّمنا وتُحذِّرنا هي ” ها أنتَ قد بَرِئتَ . فلا تُخطِئ أيضاً لئلاَّ يكون لَكَ أشرُّ “ ( يو 5 : 14 ) فهو يهِب حياة ، يهِب شِفاء ، لكنه يتوعد بشدَّة مَنْ يُستعبَد ثانية من نفس الخطايا التي شفاه هو منها ، ويقول كبريانوس : ” ليهتم الرِجال والنِساء ، الأولاد والبنات ، كلّ جِنْس وكلّ سِنْ ، أن يحفظوا ما نالوه من تعطُّف الرب طاهراً نقياً بخوفٍ ورِعدةٍ “ .
ويُوجِه كبريانوس حديثه للعذارى إذ بقدر ما أنَّ مجدهُنَّ أعظم ، بقدر ما يقتضي إهتماماً أكثر ، ويمتدحهُنْ قائِلاً أنَّهُنْ زهرة البِذرة الكنسية ، نِعمة وزينة المواهِب الروحية ، العمل التام غير الفاسد الذي للمدح والكرامة ، صورة الله ، أكثر أعضاء قطيع المسيح بهاءً ، وبِهِنْ تفرح الأم الكنيسة ، ومن هنا كان اهتمام كبريانوس أن يحِثِهِنْ بمحبة أكثر مِمَّا بِقُوَّة ، فهو لا يُوبخهِنْ بل يخشى عليهُنْ من حروب الشيطان وتجارِبه .
وهو ليس اهتماماً باطلاً ولا خوفاً فارِغاً أن تأخذ العذارى نصائِح لأجل طريق الخلاص ، حتّى يستطِعن – بعد أن كرَّسنَ أنفسهُنْ للمسيح وابتعدنَ عن كلّ شهوة جِسدانية ونذرنَ أنفسهُنْ لله في الجسد كما في الروح – أن يُكمِّلنَ عملهُنْ ذا الجِعالة العظيمة ، ولا يسعين لأن يُسَرْ أي أحد بِهِنْ إلاَّ ربَّهُنْ الذي منه ينتظِرنَ جعالة البتولية ، كما قال هو نفسه ” ليس الجميعُ يقبلُون هذا الكلام بل الذينَ أُعطِيَ لهم . لأنه يوجد خِصيان وُلِدُوا هكذا من بُطُون أُمَّهاتِهِم . ويوجد خِصيان خصاهُم الناس. ويوجد خِصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات “ ( مت 19 : 11 – 12 ) .
ويرى كبريانوس أنَّ كلِمات ملاك سِفْر الرؤيا تُعلِن عظمِة البتولية وتكرِز به ” هؤلاء هُم الذينَ لم يتنجَّسوا مع النِساء لأنهم أطهار . هؤلاء هُم الذينَ يتبعون الخروف حيثُما ذَهَبَ “ ( رؤ 14 : 4 ) ، ويتساءل ” لكن إذا كانت العِفة تتبع المسيح ، والبتولية جعالتها الملكوت ، فما شأنها إذاً بالثوب الأرضي أو بالزينة التي بها بينما يجتهِدان لإرضاء الرِجال ، يُسِيئنَ إلى الله ؟ “ رغم أنَّ الرَّسول بولس يقول ” فلو كُنتُ بعدُ أُرضي الناس لم أكُن عبداً للمسيح “ ( غل 1 : 10 ) .
لكن العِفة لا تتمثَّل فقط في طهارة الجسد ، بل وأيضاً في الحِشمة واللياقة ، وكذلك في عِفة الثِياب والزينة كي تكون غير المُتزوجة – بحسب كلِمات الرَّسول – طاهرة جسداً وروحاً ، ويُعلِّمنا بولس الرَّسول قائِلاً ” غير المُتزوج يهتم في ما للرب كيف يُرضي الرب . وأمَّا المُتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يُرضي امرأته . إنَّ بين الزوجة والعذراء فرقاً . غير المُتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مُقدسة جسداً وروحاً “ ( 1كو 7 : 32 – 34 ) فيجب ألاَّ يشُك أحد عندما يرى عذراء إذا كانت عذراء أم لا ، بل يجب أن يظهر الكمال مُتساوياً في جميع الأمور ، ويجب ألاَّ يُشكِك ثوب العذراء في صلاح ذِهنها ، ويتساءل كاتِبنا ” لماذا تتمشَّى مُتزيِنة ؟ لماذا تسير بشعر مُزيَّن مُصفف كما لو كان لها زوج أو تطلُب واحداً ؟ “ .
ويُؤكِد القديس كبريانوس أنَّ مَنْ ليس لهُنْ أزواج يجب أن يحفظنَ أنفُسهُنْ طاهِرات عفيفات ، ليس فقط في الجسد بل وأيضاً في الروح ، لأنه ليس من الصواب أن تُصفِف العذراء شعرها لأجل مظهر جمالها ، أو تتباهى بجمالها الجسدي ، في حين أنه ليس لديها جِهاد أعظم من جِهادها ضد جسدها ، وليس لديها صِراع أصعب من هزيمة وإخضاع الجسد .
ورغم أنَّ بولس الرَّسول يُعلِن بصوتٍ عالٍ ” وأمَّا من جِهتي فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلِبَ العالم لي وأنا للعالم “ ( غل 6 : 14 ) تفتخِر عذراء في الكنيسة بجمالها الجسدي ومظهرها !! ويُضيف بولس قائِلاً ” ولكنَّ الذينَ هُمْ للمسيح قد صلبُوا الجسد مع الأهواء والشَّهوات “ ( غل 5 : 24 ) ، ويتعجب كبريانوس كيف أنَّ ” مَنْ تُنذِر أن تجحد شهوات وأهواء الجسد توجد وسط هذه الأمور عينها التي نذرت أن تجحدها !! “ .
إنَّ الرب يقول لإشعياء ” كلُّ جسدٍ عُشب وكلُّ جمالِهِ كزهر الحقل . يَبِسَ العُشبُ ذَبًلَ الزَّهر لأنَّ نفخة الرب هبَّت عليه . حقاً الشعب عُشْبٌ . يَبِسَ العُشْبُ ذَبُلَ الزَّهرُ وأمَّا كلِمةُ إلهنا فتثبُت إلى الأبد “ ( إش 40: 6 – 8 ) ومن غير اللائِق بأي مسيحي ، وبالأخص بالعذارى ، أن ينظُر أو يهتم بأي مجد أو كرامة للجسد ، بل فقط يطلُب ويشتهي كلِمة الله ، حتّى ينال العطايا التي تدوم إلى الأبد .
ويتحدَّث كبريانوس عن العذارى اللائي يتعذبنَ ويتألمنَ لأجل الاعتراف بالاسم الحَسَنْ وكيف أنَّهُنْ أقوى من العذابات ، عندما يجتزنَ النيران ، الصُّلبان ، السيف ، الحيوانات المُفترِسة ، حتّى يُكللنَ ، ويصِف عذاباتِهِنْ بأنها أفضل زينة لجسدهِنْ ، وأنها ” جواهِر الجسد الثمينة “ .
ثم يتناول أسقف قرطاچنة الشهيد موضوع النِساء الثريات اللائي يفرحنَ باستخدام غِناهِنْ ، مُوضِحاً لهُنْ معنى الغِنَى الحقيقي وكيفية استخدامه ، فالغنية هي الغنية في الله ، والثرية هي الثرية في المسيح ، فهذه هي البركات الروحية الإلهية السماوية التي تقودنا إلى الله والتي تدوم معنا في مِلكية دائِمة ، أمَّا سائِر الأشياء الأرضية التي يقتنيها الإنسان في هذا العالم ، والتي ستبقى هنا في هذا العالم ، فسوف تُدان كما سيُدان العالم نفسه الذي جحدنا قُوَّاته ومسرَّاته عندما قدمنا قُدوماً مُباركاً إلى الله ، ويوحنَّا الحبيب البتول يُعلِّمنا ويحِثِنا وهو يشهد بصوت سمائي ” لا تُحبُّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم . إن أحبَّ أحد العالم فليست فيه محبة الآب . لأنَّ كُلَّ ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العُيُون وتعظُّم المعيشة ليس من الآب بل من العالم . والعالم يمضي وشهوتهُ وأمَّا الذي يصنعُ مشيئة الله فيثبُتُ إلى الأبد “ ( 1يو 2 : 15 – 17 ) .
وبينما هُنَّ يدعينَ أنفُسِهِنْ ثريات ، ينصحهُنْ بولس الرَّسول بالاعتدال في ثيابِهِنْ وزِينتِهِنْ قائِلاً : ” يُزيِّنَّ ذواتِهِنَّ بِلِبَاس الحشمة مع ورعٍ وتعقُّلٍ لا بضفائِر أو ذهبٍ أو لآلِئ أو ملابِس كثيرة الثمن بل كما يليق بِنِساءٍ مُتعاهِداتٍ بتقوى الله بأعمالٍ صالِحةٍ “ ( 1تي 2 : 9 – 10 ) ، وأيضاً بُطرُس الرَّسول يُعلِّم : ” لا تكُن زِينتُكُنَّ الزينة الخارجية من ضفر الشَّعرِ والتحلِّي بالذهب ولُبْسِ الثِياب بل إنسان القلب الخفيَّ “ ( 1بط 3 : 3 – 4 ) ... لكن إذا كانت هذه الآيات تُحذِّر النِساء المُتزوجات اللائي ينتحِلنَ عُذراً لأجل ثِيابِهِنْ بإرجاع ذلك إلى أزواجِهِنْ ، وتنبهنَ إلى ضرورة الخضوع لتعليم الكنيسة ، فكم بالأحرى جداً يليق بالعذراء أن تفعل ذلك ، وهي التي ليس لها عُذر لتتزيَّن ، والتي لا يُمكن أيضاً أن يُعزَى خطأها إلى أي شخص آخر ، بل تظل هي نفسها المُخطِأة .
ويُحدِّث كبريانوس هؤلاء الثريات مُرسياً قاعدة هامة إذ يقول : ” ليس كلّ ما يُمكن أن يُفعل يجب أن يُفعل “ ولا يجب أن ترقى الشهوات الناتِجة عن افتخار وكبرياء العالم فوق كرامة ومجد البتولية لأنه مكتوب ” كُلُّ الأشياء تحلُّ لي لكن ليس كُلُّ الأشياء تُوافِقُ . كُلُّ الأشياء تحلُّ لي ولكن ليس كُلُّ الأشياء تبني “ ( 1كو 10 : 23 ) .
ويتناول كاتِبنا في حديثه هؤلاء اللاتي يُصفِفنَ شُعُورِهِنْ باهتمام زائِد ، ويَسِرْنَ كما لو كُنَّ يرغبنَ في جذب إنتباه الآخرين ، جاذِبات عيون الشباب الصِغار وراءِهِنْ ، مُشعِلات لهيب الشهوات ، إذ رغم أنَّهُنْ أنفُسَهُنْ لا يهلكنَ ، إلاَّ أنَّهُنْ يتسبَّبنَ في هلاك الآخرين ، ويُقدِّمنَ أنفُسَهُنْ كسيف أو سُم للناظِر إليهِنْ ، ولا يُمكنهُنْ أن ينتحِلنَ عُذراً بحجة أنَّهُنْ عفيفات ونقيات في الذهن ، لأنَّ ثوبِهِنْ المُخجِل وزِينَتَهِنْ المُفرِطة تدينَهُنْ ، ولا يُمكن أن يُعتبرنَ ضمن عذارى وعرائِس المسيح ...
هُنَّ يقُلنَ أنَّهُنْ غنيات وثريات ، لكن لا يليق بالعذراء أن تفتخِر بغِناها لأنَّ الرَّسول بولس يقول ” الذين يشترُون كأنهم لا يملِكُون . والذين يستعمِلونَ هذا العالم كأنهم لا يستعملونهُ . لأنَّ هيئة هذا العالم تزُولُ “ ( 1كو 7 : 30 – 31 ) ، وكذلك بطرُس الذي أوصاه الرب أن يرعى خِرافه يقول أنَّ ليس له ذهب ولا فِضة لكن يقول أنه غني في إيمانه وفضيلته ، وبهِمَا صنع أعمالاً عديدة وعجائِب ...
وينصحهُنْ القديس كبريانوس إذا كُنَّ يُريدنَ أن يستخدمنَ ثرواتِهِنْ ، أن يستخدمنها لأجل أعمال الخلاص ، ولأجل الأهداف الصَّالِحة ، فيستخدمنها لأجل الأمور التي أوصى بها الله ... ويُعلِّمهُنْ قائِلاً : ” لِتَدَعنَ الفقير يشعُر أنَّكُنْ غنيات
ولِتَدعنَ المُحتاج يشعُر أنَّكُنْ ثريات
اقرضنَ مُقتنياتِكُم لله
قدِّمنَ طعاماً للمسيح “ .
ويجب أن يُحرِّكن الرب بصلوات الكثيرين كي يهبهُنْ أن يُكمِّلنَ مجد البتولية وأن يبلُغنَ إلى مجد الرب ، أي بعطاياهِنْ للفُقراء سوف يصلُّون لأجلِهِنْ واستجابة لهذه الصلوات سيهِبهُنَّ الله مجد البتولية .
ويحِثِهِن المُعلِّم العظيم أن يخبأنَ كِنزِهِنْ حيث لا يُنقِب سارِق وحيث لا يفسد صدأ ، لأنهُنْ إذا ظنَنَّ أنَّ الغِنَى الذي منحهُنْ إيَّاه الله إنما هو لأجل أن يستمتعنَ به يُخطِئنَ ضد الله ، بل يجب أن ينتبِهن إلى خلاصِهِنْ ، لأنَّ الله أعطى أيضاً صوتاً ، ومع ذلك لا يُعد هذا سبباً لأن نغنِّي الأغاني الباطِلة الغير لائِقة .
كذلك شاء الله أن يكون الحديد لأجل خير الأرض ، لكن هذا لا يعني أنه لابد أن تُرتكب الجرائِم ( بالأسلحة الحديدية ) ويسأل كبريانوس : ” هل لأنَّ الله عيَّن أن يوجد البخور والخمر والماء ، لابد أن تُقدَّم ذبائِح للأوثان ؟ أو هل لأنَّ قطيع الماشية كبير جداً في حقلِكُنْ ، يجب عليكُنْ أن تُقدِّمنَ مُحرقات وتقدِمات للآلهة ؟ “ .
وهكذا الغِنَى هو تجرِبة إلاَّ إذا استُخدِم في خدمة أهداف صالِحة ، لذلك يجب على كلّ إنسان – بحسب مقدار غِناه – أن يفتدي تعدياته بعطاياه لا أن يزيدها ( وقد قدَّم كبريانوس نفس هذا الفِكْر باستفاضة في كِتابه ” الأعمال والصدقات “ ، حيث شرح أنَّ الصدقة تغفِر الخطية ) )*( .
إنَّ سِمات الزينة والثِياب وإغراءات الجمال لا تليق إلاَّ بالزانيات وغير العفيفات، وليس ثوباً – بصفة عامة – أثمن وأغلى من ثياب هؤلاء اللواتي عِفتهُنْ رخيصة ، ولذلك نقرأ في الكِتاب المُقدس – الذي به أراد الله أن يُعلِّمنا ويُهذبنا – وصفاً للمدينة الزانية أنها جميلة ورائِعة للغاية في المنظر بسبب زينتها ، ولكنها ستهلك بسبب هذه الزينة عينها : ” ثم جاء واحد من السبعة الملائِكة الذينَ معهم السبعة الجامات وتكلَّم معي قائِلاً لي هَلُمَّ فأُريك دينونة الزَّانية العظيمة الجالِسة على المياه الكثيرة التي زنى معها مُلُوكُ الأرض وسَكِرَ سُكَّانُ الأرضِ من خمرِ زِناها . فمضى بي بالروح إلى بَرِّيَّةٍ فرأيتُ امرأةً جالِسةً على وحشٍ قِرمزيٍ مملوءٍ أسماء تجديفٍ له سبعة رُؤوسٍ وعشرة قرونٍ . والمرأة كانت مُتسربِلةً بأُرجوانٍ وقِرمزٍ ومُتحليةً بذهبٍ وحجارةٍ كريمةٍ ولؤلوءٍ ومعها كأس من ذهبٍ في يَدِها مملوَّة رجاساتٍ ونجاسات زِناها “ ( رؤ 17 : 1 – 4 ) ، ويُؤكِد كبريانوس ضرورة أن تبتعِد العذارى العفيفات النقيات عن ثِياب غير العفيفات وعن طُرُقِهِنْ ، وعن زينة الزانيات .
فإشعياء النبي أيضاً وهو مملوء من الروح القدس يصرُخ ويُوبِخ بنات صهيون إذ أفسدهُنَّ الذهب والفِضة والثِياب ، ويُوبخهُنْ لأنهُنْ غارِقات في ثراء مُهلِك ، ومُبتعدات عن الله لأجل مسرَّات العالم ، ويقول : ” من أجل أنَّ بنات صِهيون يتشامخنَ ويمشينَ ممدودات الأعناق وغامِزات بِعُيُونِهِنَّ وخاطِرات في مشيهِنَّ ويُخشخِشنَ بأرجُلِهِنَّ يُصِلعُ السيِّد هامة بنات صهيون ويُعرِّي الرب عورتهُنَّ . ينزعُ السيِّد في ذلك اليوم زينة الخلاخيل والضفائِر والأهِلَّة والحلق والأساوِر والبراقِع والعصائِب والسَّلاسِل والمناطِق وحناجِر الشَّمَّامات والأحراز والخواتِم وخزائِم الأنف والثِياب المُزخرفة والعُطف والأردية والأكياس والمرائي والقُمصان والعمائِم والأُزُرِ . فيكونُ عِوَض الطِّيبِ عُفُونة وعِوَض المِنطقة حبلٌ وعِوَض الجدائِل قرعةٌ وعِوَض الدِّيباج زُنَّارُ مِسحٍ وعِوَض الجمال كي “ ( إش 3 : 16 – 24 ) فهذا ما يلومه الله ويُعلِنه : لأنه يقول أنَّ العذارى فاسِدات فإذ ابتعدنَ عن العِبادة الحقيقية الإلهية وصِرنَ عاليات ، سقطنَ بِرِؤوسِهِنْ المُزينة وصار نصيبهُنْ الخزي والعار ، وإذ لبسنَ الحرير والأُرجوان ، لا يُمكنهُنْ بعد أن يلبِسنَ المسيح ، وإذ تزينَّ بالذهب واللآلِئ والقلائِد ، فقدنَ زينة القلب والروح .
ويُحذِّر العذارى أن يتجنبنَّ ذلك الذي كان سبباً لهلاك الآخرين ، فمَنْ ذا الذي يشتهي أن يأخذ ما كان سيفاً وسلاحاً لقتل آخر ؟ وإذا كان مَنْ شرب من الكأس قد مات ، فسنعرِف بالتأكيد أنَّ ما شربه كان سُماً ، وإذا كان قد مات بعد تناوُل الطعام لن نأكُل أو نشرب مِمَّا رأينا قبلاً أنه كان سبباً لهلاك الآخرين ، ويُلخِص تحذيره للعذارى قائِلاً : ” أي جهل للحقيقة هو ، وأي جنون عقل أن تشتهين ما هو مُؤذي وما سوف يُؤذي دوماً ، وأن تعتقدنَ أنَّكُنْ أنفُسكُنْ لن تهلكنَ بهذه الأمور التي تعلمنَ أنَّ بها قد هلك آخرون !! “ .
ويُوضِح الكاتِب أنه ليس فقد العذارى والأرامِل بل وأيضاً النِساء المُتزوجات وكلّ جِنْس المرأة لابد أن يعلمنَ أنَّ عمل الله وصنعته يجب ألاَّ يُغَشْ ويُغيَّر سواء باستخدام الألوان والأصباغ أو بأي نوع من المساحيق التي تُفسِد الملامِح الطبيعية ، لأنَّ الله يقول ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهِنا “ ( تك 1 : 26 ) ، ” وهل يجرُؤ أحد أن يغيَّر أو يبدِّل ما عمله الله ؟ “ .
إنَّهُنْ يُحاوِلنَ أن يغيَّرنَ ما عملهُ الله غير عالِمات أنَّ كلّ ما أتى إلى الوجود هو من عمل الله وصنعته ، فإذا كان هناك رسَّام ورَسَمْ بدقة وألوان رائِعة صورة لشخصٍ ما ، واكتملت الصورة وصارت شِبْه الشخص المرسوم فعلاً ، ثم جاء آخر ووضع يده عليها كما لو كان – لأنه أكثر مهارة – يُمكنه أن يجعلها أفضل ، سيكون من الطبيعي أن يحدُث خطأ شديد وتَلَفْ للصورة ، وسيكون ذلك سبباً وجيهاً لغضب الرَّسام الأصلي .
وارتكاب العذارى لمثل هذه التعديات إنما هو إهانة لله الخالِق الصَّانِع ، وعندما يستخدمنَ الأصباغ المُغرية ويتزيَّنَ ويُصفصِفنَ شُعُورِهِنْ ، يُشوهِنَ العمل الإلهي ويزُغنَ عن الحق .
إنَّ صوت الرَّسول المُحذِر يقول : ” نقُّوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجيناً جديداً كما أنتُم فطير . لأنَّ فِصحنا أيضاً المسيح قد ذُبِحَ لأجلِنا . إذاً لِنُعيِّد ليس بخميرةٍ عتيقةٍ ولا بخميرة الشَّرِّ والخُبثِ بل بفطير الإخلاص والحق “ ، ولكن هل يُحفظ الإخلاص والحق عندما يتلوث ما هو مُخلِص ويتدنَّسْ بألوان مُغرية ، وعندما يتبدَّل ما هو حق إلى كِذْب بالأصباغ الخادِعة والمساحيق ؟ رغم أنَّ الرب يقول : ” لا تقدِر أن تجعل شعرةً واحدةً بيضاء أو سوداء “ ( مت 5 : 36 ) .
ويطلُب كبريانوس في محبة أبوية من العذارى أن يتذكَّرنَ أنَّهُنْ إذا تزيَنَّ بالمساحيق هكذا ، فإنَّ خالِقهُنْ لن يعرِفهُنْ ثانيةً في يوم القيامة ، وسيبعدهُنْ عن جعالاته ومواعيده ويرفُضهُنْ مُوبِخاً إيَّاهُنْ قائِلاً أنَّ هذا ليس عمله ولا هذه صورته، وأنَّهُنْ قد لوَّثنَ بشرتهِنْ بمسحوق كاذِب وغيَّرنَ شعرهِنْ بألوان دَنِسَة ، ففسدت صورتِهِنْ وتبدَّلت رزانتِهِنْ وهدوءِهِنْ ...
ويُحذِّرهِنْ أنَّهُنْ لن يستطِعنَ رؤية الله لأنَّ عيونِهِنْ لم تعُد تلك التي صنعها الله ، بل تلك التي أفسدها الشيطان ، إذ قلَّد العيون الحمراء المرسومة التي للحيَّة ، وأنَّهُنْ مُتزيِنات مثل عدُوهِنْ فمعه أيضاً سوف يُحرقنَ قريباً ... ويجب أن تتفكَّر خادِمات الله في هذه الأمور ، ويجب أن تَرْهَبَنَّها ليل نهار .
فلتنظُر النِساء المُتزوجات إلى الأمر هكذا ، وينظُرنَ كيف يخدعنَ أنفُسهُن بالحديث عن رغبتهِنْ في إرضاء أزواجِهِنْ ، وبينما يجعلنَ أزواجِهِنْ عُذراً لهُنْ ، يجعلونهم شُركائِهِنْ في خطأهِنْ .
أمَّا العذارى – واللائي يُوجِه إليهِنْ كبريانوس حديثه – اللائي تزيَنَّ بِفِنون من هذا النوع ، فيرى كاتِبنا أنه يجب ألاَّ يعتبِرنَ في عِدَاد العذارى بل مثل الخِراف المُصابة والماشية المريضة ، يُعزلنَ عن قطيع البتولية المُقدس والنقي لئلاَّ بِوُجُودِهِنْ وعَيْشِهِنْ معاً يُلوِثنَ الباقي بعدوى مرضهِنْ ، لئلاَّ يفسِدنَ أُخريات كما هلكنَ هُنَّ أنفُسِهِنْ .
وينهي أسقف قرطاچنة العذارى عن حضور حفلات الزِفاف وعن الإشتراك في المُناقشات والأحاديث غير العفيفة الدَنِسَة ، عن سماع ما لا يليق ، عن الجلوس على موائِد السَّكارى والكلِمات المُخزية ، ويتساءل ” أي مكان في الزِفاف لتلكَ التي ذهنها ليس نحو الزواج ؟ وما الذي يُمكن أن يكون مُمتِعاً أو مُفرِحاً لها في هذه الأعمال ، حيث الرغبات والشهوات مُختلِفة عن تلك التي لها ؟ “ ، ويُعد فشلاً ذريعاً للعذراء في تحقيق نذرها عندما تذهب هناك عفيفة وتخرُج غير عفيفة !! ورغم أنها تظل بتول في جسدها لكن في العينين ، في الأُذُنين ، في اللِسان ، فقدت الكثير من الفضائِل التي كانت قد اقتنتها قبلاً .
كذلك ينهِيهِنْ عن ارتياد الحمَّامات العامة بحجة غسل الجسد ، لأنَّ في هذه الحمَّامات من الخلاعة والفساد ما يفوق المسارِح ، وحتّى إن لم تتأثَّر العذراء بما تراه هناك من فساد ومشاهِد شهوانية ، إلاَّ أنها ستكون عثرة للآخرين وموضِع شهوتهم ، فهذه الحمَّامات لا تغسل أو تُطهِّر الجسد ، بل تُدنِسه .
لذلك تحزن الكنيسة على عَذَارَاها وتإن وتنوح بسبب سِيَرِهِنْ المُخزية ، فبينما تُريد العذارى أن يتزينَّ بِعِناية أكثر ، وأن يتجولنَ بحُرية أكبر ، لا يعُدنَ بعد عذارى ، بل فاسِدات بخزي ماكِر ، ويصِرنَ أرامِل قبل أن يتزوجنَ ، زانِيات خائِنات ، ليس لأزواجِهِنْ ، بل للمسيح ، وبقدر ما كان نصيبهِنْ قبلاً أن يَنَلْنَ جعالات عظيمة لأجل عذراويتهِنْ ، كذلك سينُلنَ عِقاباً مُريعاً لأجل فُقدانِهِنْ عذراويتهِنْ وبتوليتِهِنْ .
وبمحبة رعوية يحِث القديس كبريانوس بناته العذارى قائِلاً :
” لذلك استمعنَ إليَّ أيتها العذارى كأب
استمِعنَ أرجوكُنْ لِمَنْ يخاف بينما يُحذِّر
استمِعنَ لِمَنْ يُحذِّركُنْ بإخلاص لأجل فائِدتكُنْ ومنفعتكُنْ
احفظنَ أنفُسكُنْ كما صنعكُنَّ الله الخالِق
احفظنَ أنفُسكُن كما زينكُنَّ أبوكُنَّ السماوي
ليظل وجهكُنْ غير فاسِد
ليظل وجهكُنْ غير فاسِد
رقبتكُنْ غير مُزينة
هيئتكُنْ بسيطة
ولا تدعنَ ثِقوباً تُصنع في آذانِكِنْ
لا تدعنَ الأساوِر والقلائِد الثمينة تلتف حول أذرعتكُنْ أو رِقابِكُنْ
فلتكُن أقدامِكُنْ حُرَّة من القيود ( القلائِد ) الذهبية
شعُورُكِنْ غير مُلوثة بأي صِبغة
عيونِكُنْ مُستحِقة أن تُعاين الله
فليكُنْ استحمامِكُنْ مع النِساء اللواتي بينهُنْ يكون حميمكُنْ عفيفاً
ابتعدنَ عن الأعياد المخزية وموائِد الزواج الماجنة التي سُمَّها خطر
اهزمنَ الثِياب لأنَّكُنْ عذارى
اهزمنَ الذهب لأنَّكُنْ تهزمنَ الجسد والعالم ، فمن غير المعقول ألاَّ يستطيع ( العدو ) الأكبر أن يهزمكُنْ بينما توجِدنَ مهزومات من الأصغر !!
عسير وضيِّق هو الطريق المُؤدي إلى الحياة
شاق وصعب هو الدرب الذي يفضي إلى المجد
عَبْر هذا الطريق يتقدَّم الشُّهداء ، تعبُد العذارى ، يتقدَّم الأبرار
هناك يتملَّق الشيطان كي يخدع ، يبتسِم كي يصنع شراً ، يغوي كي يقتُل “ .
ويرى كبريانوس أنَّ مرتبة العذارى تالية على الفور لمرتبة الشُّهداء ، فثمرة الشُّهداء هي مِئة ضِعْف ، وثمرة العذارى هي سِتُونَ ضِعْف ، وكما أنَّ الشُّهداء لا يُفكِرون في الجسد أو العالم ، كذلك العذارى – اللائي جعالَتَهِنْ تالية في النِعمة – يجب أن يكون لهُنْ أيضاً قُوَّة احتمال تالية للشُّهداء ، فالإرتقاء للأمور العظيمة ليس بالأمر السهل ، فأي كَدْ نبذِل وأي عمل نعمل عندما نُحاوِل أن نصعد التِلال أو قِمَمْ الجِبال ! فأي كَدْ وعمل إذاً كي نصعد إلى السماء ؟ لكن إذا نظرنا إلى جعالة الموعِد ، سنجِد العمل أقل ...
ويحِث العذارى أن يتمسكنَ بِقُوَّة بما قد بدأنَ أن يكِنَّهُ ، وبما سوف يكِنَّهُ ، لأنَّ هناك جعالة عظيمة تنتظرهُنْ ، ومُكافأة عظيمة للفضيلة ، ويشرح لهُنْ أي تعب تتجنبه فضيلة العِفة ، وأي صلاح تقتني ، فالله يقول للمرأة : ” تكثيراً أُكثِّرُ أتعاب حَبَلِكِ . بالوجع تلِدين أولاداً . وإلى رَجُلِكِ يكونُ اشتياقُكِ وهو يسُودُ عليكِ “ ( تك 3 : 16 ) أمَّا العذارى فهُنَّ مُتحررات من هذا الحُكم ، فلا يخشينَ أحزان وآنات النِساء وليس لديهِنَّ خوف من الحَبَلْ ولا يتسلَّط زوج عليهِنْ ، لكن سيِّدهِنْ ورأسِهِنْ هو المسيح ، وهذا ما أعلنه الرب بقوله : ” أبناءُ هذا الدَّهر يُزَوِّجون ويُزَوَّجون . ولكنَّ الذينَ حُسِبُوا أهلاً للحصول على ذلك الدَّهر والقيامة من الأموات لا يُزَوِّجون ولا يُزَوَّجون . إذ لا يستطيعون أن يموتُوا أيضاً لأنهم مثل الملائِكة وهُمْ أبناءُ الله إذ هُمْ أبناءُ القِيامة “ ( لو 20 : 34 – 36 ) فالحالة التي يبلُغها الأبرار في القيامة ، تبلُغها العذارى الآن ، إذ يقتنين في هذا العالم مجد القِيامة ، ويعبُرنَ العالم دونَ الإصابة بِسِمُوم العالم ، ولأنَّهُنْ يَعِشنَ عفيفات بتولات ، لذلك هُنْ مُساويات لملائِكة الله ، لكن يجب أن يحفظنَ بتوليتَهِنْ بصبر ، وكما بدأنَ بشجاعة كذلك يُكمِّلنَ جِهادِهِنْ دوماً ، ولا يطلبُنَ زِينة العُنُق ولا الثِياب بل زِينة السلُوك وينصحهُنْ القديس كبريانوس ” فلترتفِع عيونِكُنْ نحو الله والسماء ، وليس إلى أسفل نحو شهوة الجسد وشهوة العالم “ .
لقد أمرت الوصية الأولى بالنمو والكثرة ، وجاءت الوصية الثَّانية تمتدِح العِفة والبتولية وتُوصي بها ، لكن الرب لا يأمُر أن نعيش خِصيان لأجل الملكوت ، لكنه فقط يحِثنا ، فهو لا يضع نير الضرورة لأنَّ اختيار الإرادة الحُرَّة متروك للإنسان ، لكن عندما يقول أنَّ في بيت أبيه منازِل كثيرة ، يعني بهذا أنَّ هناك سُكنى في منازِل أفضل ، وهو ما تطلُبه العذارى ، إذ يترُكنَ شهوات ورغبات الجسد ، فَيَنَلْنَ جعالة ذات نِعمة عظيمة في المنزل السمائي .
حقاً كلّ الذين ينالون العطايا الإلهية والميراث السمائي بتقديس المعمودية حيث يخلعون الإنسان العتيق بِنِعمة الحميم المُخلِّص ، ويتجدَّدون بالروح القدس من دنس المرض القديم ، يتطَّهرون بهذه الولادة الثَّانية ، لكن أعظم قداسة وأعظم حق لهذا الميلاد الثَّاني يخُصَّان العذارى اللائي لم تعُد لهُنْ أي شهوات جِسدانية ، بل فقط أمور الفضيلة والروح القدس هي التي بقيت فيهُنْ للمجد ، فهذه هي كلِمة الرَّسول الذي دعاه الرب إناءهُ المُختار ، والذي أرسله ليكرِز بالوصية السمائية ” الإنسان الأوَّل من الأرض تُرابي . الإنسان الثَّاني الرَّبُّ من السماء . كما هو التُّرابي هكذا التُّرابِيون أيضاً . وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً . وكما لَبِسنا صورة التُّرابي سنلبَسُ أيضاً صورة السماوي “ ( 1كو 15 : 47 – 49 ) فالبتولية تحمِل هذه الصورة ، القداسة تحمِلها ، الحق يحمِلها ، التلاميذ الذينَ يملأ الله أذهانهم يحمِلونها ، يحفظون البِّر مع الدِّيانة ، ثابتين في إيمان ومُتضعين في مخافة ، شُجعان لكلّ الآلام ، وُدَعاء في تحمُّل الخطأ ، مُسرعين لإظهار الرحمة ، لهم ذهن واحد وقلب واحد في سلام أخوي .
ويختَتِمْ القديس كبريانوس كِتابه قائِلاً أنه على العذارى الصَّالِحات أن يحفظنَ سائِر هذه الأمور وأن يحببنها ويُكمِّلنها ، هُنَّ اللائي كرَّسنَ أنفُسهُنْ للرب ، وعلى المُتقدمات في الأيام أن يُقدِّمنَ تعليماً للصغيرات ، وعلى الصغيرات أن يُقدِّمنَ قُدوة وحافِز إلى قَرِيناتِهِنْ ، ويختَتِمْ القديس كبريانوس كِتابه بقوله :
” احتمِلنَ بشجاعة ، تقدَّمنَ روحياً ، نِلنَ بفرح
فقط اذكُرونا في ذلك الوقت ، عندما تبدأ البتولية تُكافِئ فيكُنْ “

الفصل الثَّالِث
القديس إغريغوريوس النيصي
” عن البتولية
ON VIRGINITY
شَرَحْ القديس إغريغوريوس النيصي في كِتابه ” عن البتولية “ أنَّ مدح البتولية يُسمع في الحال في نفس الكلِمة التي تُرافِقها دوماً وهي كلِمة ” عديم الفساد To αφθορον “ فهذه هي الكلِمة التي تُطلق عليها دوماً ، وهذا يُوضِح نقاوتها وطهارتها ، ومن بين سائِر ثِمار الجِهاد في طريق الفضيلة ، كُرِّمت بأن أُعطِيت لقب عدم الفساد ، وإذا أردنا أن نمدح هذه العطية العظيمة التي من الله لكانت كلِمات الرَّسول بولس كافية في مدحها ، فمع أنها قليلة إلاَّ أنها تُغني عن كلّ مديح ، فهو يقول عن تلك التي تتزيَّن بهذه العطية ” مُقدسةً وبلا عيبٍ “ ( أف 5 : 27 ) ، وإذا كان تحقيق ونوال هذه الفضيلة العظيمة يكمُنْ في أن يصير الإنسان ” مُقدس وبلا عيب “ وهذه الكلِمات عينها تُستخدم في كامِل معناها لتمجيد الإله الغير قابِل للفساد ، فأي مدح أعظم للبتولية من هذا ، إذ هكذا يظهر أنها تُمجِّد هؤلاء الذين يشتركون في أسرارها النقية ، وبذا يصيرون شُركاء في مجد ذاكَ الذي هو بالحقيقة الوحيد القدوس ، والوحيد الذي بلا عيب .
وفَهَمْ هذه النِعمة الفائِقة والمجد العظيم الذي لها يحتاج إلى تفكير عميق ، وهي تُفهم في فكرة الآب عديم الفساد ، وهنا نجد أمراً عجيباً ، أي أنَّ البتولية توجد في الآب مع أنَّ له ابناً ، وتوجد البتولية أيضاً في طبيعة هذا الابن الوحيد ، وكذا تُشرِق من ميلاده النقي الذي بلا شهوة ، فالابن أُعلِنَ لنا عن طريق البتولية ، وتُرَى البتولية أيضاً في النقاوة العديمة الفساد التي للروح القدس ، لأنَّكَ عندما تذكُر اسم النقاوة وعدم الفساد فقد ذكرت اسم البتولية .
ويرى أسقف نيصُص أنَّ ربنا يسوع المسيح لم يأتِ إلى العالم عن طريق الزواج لكي يُعلِنْ لنا بتجسُّده هذا السِر العظيم ، فالطهارة هي الدليل والإشارة الوحيدة الكامِلة على حضور الله ولا يستطيع أحد أن ينال هذا إلاَّ بترك وجحد شهوات الجسد ، وما حدث داخِل القديس الطاهرة مريم عندما تجسَّد منها السيِّد المسيح يحدُث داخل كلّ نفس تحيا حياة البتولية ، ولكن سيِّدنا لا يأتي بعد بحضور جسدي ” وإن كُنَّا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرِفهُ بعدُ “ ( 2كو 5 : 16 ) بل روحياً ، يسكُن فينا ويُحضِر أباه معه كما يُعلِّم الإنجيل ( يو 14 : 23 ) .
والبتولية بتعريف القديس إغريغوريوس هي رباط وحدة بين الإلهي والبشري ، إذ بينما هي في السماء مع أبي الأرواح ، تمد يديها من أجل خلاص الإنسان ، وبينما هي الطريق الذي نزل منه الله لكي يُشارِك الإنسان في بشريته ، تُعطي أيضاً أجنحة للإنسان لكي يرتفِع للأشياء السمائية .
سُعداء هم الذين لهم قُوَّة لاختيار هذا الطريق الأفضل ، والذينَ لم يحرِموا أنفسهم منه بالانشغال بأمور العالم ، فلا يستطيع أحد أن يتسلَّق إلى عُلُو البتولية إن كان قد سبق له أن وضع قدمه في حياة العالم .
الإنسان البتول هو الذي يُطهِّر نفسه ويرتفِع عن كلّ خطايا العالم مثل الحقد والحسد والضغينة إلخ ، وليس لديه أي شيء يُثير حسد قريبه ، بل هو يحيا في حُرية وسلام تام ، فلقد ترك العالم واختار الفضيلة كملكِيته الوحيدة الثمينة ، لأنَّ الفضيلة – رغم أنَّ الجميع يشترِكون فيها – تكون بفيض ووفرة لِمَنْ يعطش إليها .
البتولية هي الرفيق في الجِهاد والمُساعِد على تحقيق الحياة السمائية الملائِكية ، فكما أنه في العلوم الأخرى ابتكر الإنسان وسائِل عملية من أجل تحقيق أهداف مُعيَّنة ، كذلك البتولية هي الوسيلة العملية في عِلْم الحياة الإلهية ، إذ أنها تسمو بالروح فوق العالم وتجعلها تتطلَّع إلى الأمور الإلهية والجمال الغير مخلوق .
ويرى إغريغوريوس أنَّ البتولية هي سِرْ عَظَمِة إيليا النبي وأيضاً ذاكَ الذي ظهر فيما بعد في روح إيليا والذي لم يكُنْ بين مواليد النِساء مَنْ هم أعظم منه ، فكلاهُما منذ شبابه المُبكِر اعتزل العالم ، وبطريقةٍ ما اعتزل أيضاً الحياة والطبيعة البشرية ، وذلك بتركه للأنواع المُعتادة من الشَرَاب والطعام ، وبِسُكناه في البِّريَّة ، فكان لسانهُما بسيطين وكذلك آذانِهِما كانت مُتحرِّرة من أي ضجيج مُشتِتْ ، وعيونهما من أي منظر مُشتِتْ وهكذا نالا هدوء وسكينة النَّفْس ، وارتفعا إلى العُلُو الإلهي الذي سجلته الكُتُب المُقدسة عنهُما ، فإيليا صار مُوزِعاً لعطايا الله ، وصار له سُلطان أن يُغلِق السماء عندما يُريد فلا تُمطِر على الخُطاة ، وأن يفتحها من أجل الأبرار المُجاهدين ، ويوحنَّا الصَّابِغ لم يُقال عنه أنه صنع أي مُعجزة ، ولكن رب المجد الذي يعرِف كلّ الأسرار قال أنَّ العطية التي فيه أعظم من عطية أي نبي ، كلّ هذا لأنَّ الاثنين كرَّسا قلبيهِما للرب منذ البداية حتّى النِهاية ، فتحرَّرا من كلّ شهوة أرضية بشرية ومن محبة الزوجة والأطفال ، بل حتّى لم يعتبِرا قُوتهُما اليومي مُستحِقاً القلق والتفكير فيه ، ويعتقِد القديس إغريغوريوس أنهما ما كانا لِيَصِلا إلى ارتفاع الروح هذا لو كانا قد تزوجا ، وهذا ليس مُجرَّد تاريخ بل ” كُتِبَ لأجل تعليمنا “ ( رو 15 : 4 ) لكي نقتدي ونتمثَّل بهما ، فماذا إذاً نتعلَّم من هذا ؟ نتعلَّم أنَّ الإنسان الذي يشتاق إلى الإتحاد بالله ، عليه مثل هؤلاء القديسين أن ينزع عقله من كلّ انشغال عالمي .
ويشرح أسقف نيصُص الكبَّادوكي أنَّ الإنسان خُلِق على صورة الله ومِثاله بيد أنَّ هذه الصورة والشَبَه تشوهت بالخطية لكنها لم تُمحَ ، فبإمكاننا وبإرادتنا نستطيع أن نستعيد هذه الصورة التي تلوثت بأدناس الخطية ، وذلك بأن نترُك الأسباب التي حرمتنا من الفِردوس ، ونحيا كما كان آدم يحيا فيه ، يتأمَّل في جمال الله وعمله ويجد كلّ مسرَّته وفرحه مع الله ، وكانت حوَّاء تحيا معه في مسرَّة الله ، ولم يعرِفها ، وبذا يلمَّح القديس إلى أننا بعيشِنا البتولية ، كما كانت في الفِردوس ، نستعيد صورة وشبه الله .

الفصل الرَّابِع
القديس أمبروسيوس
” عن البتولية
CONCERNING VIRGINITY
الكِتاب الأوَّل
يبدأ القديس حديثه بفرح وابتهاج لأنَّ ذلك اليوم كان يُوافِق عيد ميلاد عذراء وهو يتحدَّث عن البتولية والعذارى ، ويعني بهذه العذراء الشهيدة أجنِس ، ويقصِد بيوم وعيد ميلادها عيد استشهادها ، ويأخُذ القديس في مدح أجنِس فقد تحمَّلت الاستشهاد ولها من العُمر اثنتي عشر ربيعاً ، ولكنها الصغيرة والقليلة جسداً كانت عظيمة حقاً وكبيرة إيماناً ... لقد ذهبت عذراء فَرِحَة إلى مكان العِقاب والعذاب ، لم تُزيِّن رأسها بالشعر المصفوف المُنمق بل بالمسيح ... ” بكى الجميع وبقيت هي وحدها بلا دِموع ! تعجَّب الجميع كيف تُضحي بحياتها هكذا ، وهي التي لم تستمتِع بها بعد ! وها هي الآن تُقدِّمها كأني بها قد شبعت من طول أيامها ... “ .
ويتساءل القديس أمبروسيوس عن أيَّة تهديدات هدَّدها بها الجلاَّد ليُرهِبها ، وأيَّة إغراءات ووعود قدَّمها إليها الرَّاغبون في الزواج منها ” ولكنها أجابت : سيكون جرحاً لعريس نفسي إذا نظرت إلى مَنْ يغريني ، فالذي اختارني أولاً لنفسه سيستقبلني ، فلماذا تتباطئ أيها الجلاَّد ؟! فلتقتِل هذا الجسد الذي تعشقه عُيُون الآخرين “ .
ويرى أمبروسيوس أنَّ البتولية تُرى في الشُّهداء بل بالحري تصنع الشُّهداء ، ولكن مَنْ ذا الذي يستطيع أن يفهم معنى البتولية بفهمه البشري ، إن كانت الطبيعة نفسها لا تُدرِجه في نواميسها ؟! أو مَنْ ذا الذي يستطيع بلُغة عادية أن يصِف ذلك الأمر الذي فاق الطبيعة ؟! فهذه الفضيلة العظيمة التي هي البتولية قد أتت من السماء بذاكَ الذي نستطيع أن نتشبه به على الأرض ، إذ قد وجدت عريسها الحقيقي في السماء ، بعد أن ارتفعت وحلَّقت مُتجولة إلى ما وراء السُّحُب والهواء والنجوم والملائِكة حتّى وجدت كلِمة الله في حِضْن الآب فاجتذبته إليها بكلّ قلبها ، فَمَنْ ذا الذي يعثُر على هذا الخير كلّه ويترُكه ؟! ” لأنَّ ... اسمُك دُهْنٌ مُهراقٌ . لذلك أحبَّتكَ العذارى “ ( نش 1 : 2 – 3 ) .
ثم يُوضِح القديس أمبروسيوس أنَّ ما قالهُ ليس من عِندياته لأنَّ الذين لا يُزوِجون ولا يتزوجون ( مر 12 : 25 ) هم كملائِكة في السموات ، لذا ينبغي أن لا نندهِش حينما يُشبِّه البتوليين بملائِكة الله في السماء ، ومَنْ ذا الذي يُنكِر أنَّ هذه الحياة العذراوية تستمِد قُوَّتها من السماء ، تلك الحياة التي لم تُوجد على الأرض إلاَّ عندما نزل رب المجد وأخذ جسداً بشرياً !! فقد تجسَّد الكلِمة من العذراء مريم وصار جسداً حتّى يصير الجسد إلهياً .
ويُعلِّق القديس على الآية الوارِدة في ( خر 15 : 20 ) ” فأخذت مريم النَّبيَّة أُخت هرون الدُّفَّ بِيَدِها . وخرجت جميعُ النِّساء وراءها “ يرقُصنَ في اتضاع وعِفة قائِلاً إنَّ مريم النَّبيَّة كانت رمزاً للكنيسة التي كعذراء عفيفة بروح غير دَنِسْ وبلا عيب تجمع المُؤمنين لِيُرنِموا الترانيم والتَّسابيح الإلهية ، ويرى أنه بتجسُّد الرب الذي وحَّد لاهوته مع ناسوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير دخلت الحياة السماوية الملائِكية إلى العالم ، وانغرست وتأصَّلت في الأجساد البشرية ، لأنه مكتوب ” ملائِكةٌ قد جاءت فصارت تخدِمهُ “ ( مت 4 : 11 ) فبِتَجَسُّدِهِ أعطى لنا أن نُقدِّم له هذه الخدمة السمائية ، خدمة الجسد الطاهِر غير الدَنِسْ .
وتحدَّث القديس عن عذارى فستا المُكرَّسات لخدمة فستا الوثنية ( إحدى الألِهات الوثنيات ) ، وأعلن أنَّهُنْ عذارى بلا عِفة وبلا عذراوية ، ولكي يُقدِّم مُقارنة قوية مع عذارى المسيحية ، يتحدَّث عن عذارى المسيح وكيف أنَّهُنْ قهرنَ القُوَّات الغير منظورة ، فلم يكُن انتصارِهِنْ على اللحم والدم بل على رئيس هذا العالم وسُلطان هذا الدَّهر ، ويُقدِّم أجنِس مثلاً ، فهي الصغيرة سِناً كانت عظيمة في الفضيلة وشهدت بِلِسانها للرب يسوع واعترفت به بجسدها ، وعُمرها لم يعرِف معنى الشهادة أو الاعتراف .
ثم يُعدِّد القديس أمبروسيوس هنا كرامات البتولية وهي :
1) كما أنه قد جرت العادة أن يُذكر اسم العائِلة أو الأب للتدليل على أصالة النسب ، لذلك وطن وبيت ومحل ميلاد البتولية هو السماء ، فهي الوطن الأصلي للبتولية ، ولذا هي غريبة على الأرض ساكنة في السماء .
2) العِفة التكريسية البتولية هي الطهارة من الدَنَسْ ، وصاحِبها ومُؤسِسها هو ابن الله البتول الذي بلا دنس ، الذي لم يرَ جسده فساداً ، فكم عظيمة هي استحقاقات البتولية ... كان المسيح قبل العذراء ووُلِدَ من العذراء ، فرغم أنه المولود من الآب بالحقيقة قبل كلّ الدُّهور ، إلاَّ أنه وُلِدَ من العذراء في مِلء الزمان .
أمَّا عن رؤية القديس أمبروسيوس للزواج فيُوضِح أنه ليس ضد الزواج لكنه يُؤكِد على عِظَم البتولية ، فالقديس بولس الرَّسول يقول ” أمَّا الضَّعيف فيأكُلُ بُقُولاً “ ( رو 14 : 2 ) وأيضاً ” مَنْ زَوَّجَ فحسناً يفعلُ ومَنْ لا يُزَوِّجُ يفعلُ أحسن “ ( 1كو 7 : 38 ) ... فالإنسان لا يُخطِئ إذا تزوَّج ، ومَنْ لا يتزوج فمن أجل الأبدية ، ” فالزواج عِلاج للضعف ، بينما البتولية فمن أجل مجد العِفة ، الزواج لا يُمتدح أمَّا البتولية فتُطوَب “ .
والمُتزوجات يختلفنَ عن العذارى ، فكلّما افتخرت المُتزوجة بكثرِة النسل كلّما زادت هِمومها ومتاعِبها ، وهي تحبل بالآلام والأوجاع ... فبنات هذا الدَّهر يُحبل بِهُنْ ويحبلنَ ، بينما ابنة الملكوت تمتنِع عن اللذة الزيجية ، لذِة العُرْس الأرضي ، لذِة الجسد ، لتكون مُقدسة جسداً وروحاً .
ثم يُشير إلى بعض الأفعال المرفوضة التي تلجأ إليها بعض الزوجات حينما يدهِنَّ وُجوهِهِنْ بالمساحيق والألوان المُختلِفة ، وهُنَّ بذلك يُلوِثنَ عِفتِهِنْ ، فمن الجنون أن يستبدِلنَ الشكل الطبيعي ويبحثنَ عن أصباغ ودهانات ... وكذلك شغف بعض الزوجات بالحُلي وبالمُجوهرات والثِياب المُوشَّاة بالزُخرُف ... فهذا كلّه لا يُغيِّر فيهُنَّ شيئاً .
بعد ذلك ينتقِل للحديث عن العذارى المُطوبات اللائي تتزينَّ بالزينة الحقيقية الباطنية ... فباتضاعِهِنْ المُقدس تُشرِق وُجوهِهِنْ ، وجمالِهِنْ الحقيقي هو في العِفة البهية التي لا تُعثِر الآخرين ، وهو جمال داخلي ، لأنَّ الله يُحِب النِفوس الجميلة بالفضيلة ، وهُنْ لا يعلمنَ شيئاً عن متاعِب وأوجاع الوِلادة ، لكن أعظم هي ذُرِية النَّفْس التي تستغني بفضائِلها ولا تنزعِج أو ترتبِك بفُقدان أحد ، فقد ماتت عن الجميع من قبل ... وإن فقدت أهلها لكن صار لها مُحِبُّون كثيرون .
ومن الحديث عن العذارى ينتقِل للحديث عن مِثال العذارى وأُمَّهُم أي الكنيسة المُقدسة التي وإن كانت عذراء لا تعرِف زواجاً إلاَّ أنها خِصبة ولوُد ، ” فهي في عِفِتها عذراء وفي ذُرِيتها أُم “ ، ومع أنَّ الكنيسة عذراء إلاَّ أنها تحمِلنا أبناء لها لا من أب بشري بل من الروح القدس ، لا تحمِلنا بالآلام بل بفرح وتهليل الملائِكة وهي العذراء التي تُطعِمنا لا بلبن جِسداني بل بلبن الآباء الرُّسُل ، كالذي غذَّى به القديس بولس غير القادرين من شعب الكنيسة ” كَجَسَدِيِّين كأطفالٍ في المسيح . سقيتُكُمْ لبناً لا طعاماً لأنَّكُمْ لم تكُونوا بعدُ تستطيعون “ ( 1كو 3 : 1 – 2 ) ، ويتساءَل أمبروسيوس ” أي عروس لها ما للكنيسة المُقدسة من أبناء ؟ تلكَ التي في أسرارها عذراء لكنها أُم للجميع ، التي يشهد الكِتاب المُقدس لِخصوبتها قائِلاً : ’ ترنَّمي أيتها العاقِرُ التي لم تلِد أشيدي بالتَّرنُّم أيتها التي لم تَمْخَضْ لأنَّ بني المُستوحِشة أكثر من بني ذات البعل ‘ ( إش 54 : 1 ؛ غل 4 : 27 ) “ .
ثم يحِث القديس الآباء على تدريب أولادهم وبناتهم على الفضائِل والجِهاد لأنَّ ” العذراء هي تقدِمة أُمَّها “ ، ويسألهم القديس أن يترُكوهم ينمون في طريق الكمال ولا يمنعوهم ، ويُحدِّث هؤلاء الذينَ يمنعون بناتهم عن السير في درب البتولية لأنهم يُريدون أن يكون لهم أحفاد ، ويقول لهم أنَّ الأحفاد شيء غير مُؤكد أو مضمون بينما الفضيلة مضمونة وأثمن بما لا يُقارن .
ويُعلِن أسقف ميلان أنه ليس ضد الزواج بل هو يشجعه ويلوم مَنْ يُعارِضونه ويدينوه ، لأنَّ الذينَ يدينون الزواج يدينون أيضاً النسل وميلاد الأطفال ويدينون استمرارية الجِنْس البشري جيلاً بعد جيل .
فهو لا يُقاوِم الزواج بل يجمع معاً كلّ مزايا البتولية وعَظَمَتْها وقداستها ، فهي هِبَة عظيمة تُعطَى لأقلية من الناس ، بل هو يُقارِن بين أمور كلّها صالِحة ، يُقارِن الصَّالِح بالصَّالِح ليظهر أكثرهُما سُمُواً ، وهو لا يُعطي رأياً من عنده بل يُكرِّر ما قاله الروح القدس بالنبي القائِل ” أمَّا العاقِر الطَّاهِرة التي لم تعرِف المضجع الفاحِش فطُوبى لها “ ( حكمة 3 : 13 ) .
ويُعلِن القديس أنَّ المُتزوجين والمُتزوجات ينبغي بالضرورة أن يعترِفوا أنهم أقل رُتبة من العذارى اللاتي استحققنَ سماع ذلك الصوت ” أنتَ أبرع جمالاً من بني البشر وقد انسكبت النِّعمة على شفتيك “ ( مز 45 : 2 ) ، لأنَّ مَنْ هو ذلك العريس ؟ إنه ذلك الواحِد الذي قِنيته تفوق الوصف وغِناه يفوق افتخارنا ، الذي عرشه إلى أبد الأبدين ، وكرامته تُشارِكه فيها بنات الملِك ” بنات مُلُوكٍ بين حَظَيَّاتِك . جُعِلتِ المَلِكة عن يمينك بذهب أُوفير . اسمعي يا بِنْت وانظُري وأميلي أُذُنَكِ وانسي شعبك وبيت أبيكِ فيشتهي الملِك حُسنَكِ لأنه هو سيِّدُكِ فاسجُدي له “ ( مز 45 : 9 – 11 ) .
ويدعو القديس العذارى أن يتأمَّلنَ الملكوت الذي أعدُّه الروح القدس لهُنْ بشهادة الكِتاب المُقدس ، فهو ملكوت الذهب والجمال ” الذهب لأنَّكُنْ عرائِس الملك الأبدي ، ولأنَّكُنَّ – وقد صار لكُنَّ الفِكْر الغير مغلوب بالشهوة – لن تستعبدنَ من قِبَل الملذات الحِسِيَّة ، بل قد دُستُنَّ عليها ، والذهب أيضاً أكثر قيمة من كلّ المعادِن إذا جُرِّب بالنار ، وهكذا أيضاً يظهر الجسد البتول مُكرَّساً للروح القدس ، عظيم في جماله ، لأنَّ مَنْ يتصور جمالاً أعظم من جمال العروس التي أحبَّها العريس الملك واشتهى حُسنها ، وإذ قد اعتُقِت من الدينونة ، صارت كلّها مُكرَّسة للرب ، مُقدسة ونذيرة لله ، عروساً عذراء إلى الأبد ، في حُبْ لا ينتهي وحِشمة لا تفنى “ .
فهذا هو بالحق الجمال الكامِل الذي لا ينقُصه شيء ، الذي وحده يستحِق سماع صوت الرب القائِل : ” كُلُّكِ جميلٌ يا حبيبتي ليس فيكِ عيبة . هَلُمِّي معي من لُبنان يا عروس معي من لُبنان “ ( نش 4 : 7 – 8 ) فهذه هي سِمات جمال النَّفْس البتول الفائِق الذي لا يُعبَّر عنه ، المُكرَّس لمذابِح الله فلا يتأثَّر بالشهوات الزائِلة أو بالحيوانات المُفترسة الروحية أجناد الشر ، لأنَّ النَّفْس التي تنشغِل تماماً بأسرار الله ، تُوجد مُستحِقة للحبيب الذي تفيض أحضانه فرحاً ” بخمرٍ تُفرِّح قلب الإنسان “ ( مز 104 : 15 ) .
وللقديس أمبروسيوس تأمُّل جميل عن رائِحة العروس ، فالحكيم يقول ” ما أحسن حُبَّكَ يا أُختي العروس كم محبَّتُكِ أطيب من الخمرِ وكم رائِحة أدهانِكِ أطيبُ من كلِّ الأطياب “ ( نش 4 : 10 ) ، ويُكمِل أيضاً ” رائِحة ثيابِكِ كرائِحة لُبنان “ ( نش 4 : 11 ) ، وهنا يقول قديسنا : ” انظُري أيتها العذراء أيَّة رِفعة وعَظَمَة قد سَمَوْتِ إليها ، فإنَّ رائِحتِك الأولى تفوق كلّ الأطياب إذ قد استُخدِمت في تطييب جسد المسيح المُخلِّص ( يو 19 : 39 ) ففاح بخور أريجها ، أمَّا الرائِحة الثَّانية فهي مثل رائِحة لُبنان التي تستنشِق من جسد الرب عديم الفساد زهرة العِفة البتولية “ .
ويحِث أمبروسيوس العذارى أن يكون عملِهِنْ كالنحل ، لأنه يليق بالبتولية أن تُشبِه النحل في نشاطه وأدبه واحتشامه وعِفته ، فالنحل يتغذى على الرَّحيق ، لا يعرِف زواجاً ولا خُدراً بل يصنع عسلاً ، ورحيق العذارى والمُتبتلين هو كلِمة الله ، وحشمتهُمْ هي طبيعة لا تتدنس ، ونِتاجِهِم هو ثمرة تفيض حلاوة بلا مرارة ، وهم يعملون في شَرِكَة ، لذا يأتي ثمرهم في شَرِكَة .
فعلى العذارى أن يتشبَّهنَ بهذا النحل الذي طعامه الزهور ونِتاجه يجمعه معاً ، ويتشبَّهنَ بفمه فلا يدعنَ الزيف يُغلِّف كلامِهِنْ ، ولا يترُكنَ الرِّياء يُغطيه ، ليكون كلامِهِنْ طاهراً يزخر بالمنفعة .
ويجب أن يكون فم العذراء نبعاً يدوم إلى الأبد لا لوم فيه ، ولا تجمع لنفسها فقط لأنها لا تعلم متى تُطلب نفسها منها ، لئلاَّ تترُك أجرانها ملآنة قمحاً دون أن تنتفِع هي نفسها منها ولا الآخرين أيضاً ، بل يجب أن تُسرِع لتقتني الكِنوز التي لا تُبلى ، وتكون غنية بالإحسان على الفُقراء والمساكين .
وينصح القديس العذارى أن يتأمَّلنَ في الزهرة التي هي المسيح الذي قال ” أنا نَرِجِسُ شارون سُوْسنة الأودية . كالسُّوسنة بين الشَّوكِ “ ( نش 2 : 1 – 2 ) ، ويرى القديس أنَّ هذا ” إعلان صريح عن أنَّ الفضائِل مُحاطة بأشواك أجناد الشر الروحية ، حتّى أنَّ مَنْ يُريد أن يجمع ثِمارها عليه أن يكون حَذِراً “ .
كذلك يحِث القديس أمبروسيوس العذارى على طلب وجه المسيح قائِلاً ” خُذي أيتها العذراء أجنِحة الروح القدس لِتُحَلِقي فوق كلّ الشهوات ، إن كُنتِ تشتاقين إلى المسيح لأنَّ الرب إلهنا ساكِن في الأعالي ناظِر الأسافِل ( مز 113 : 5 – 6 ) الذي كان ضهوره مثل أرز لُبنان ، الذي أوراق نبتته في السحاب وجذوره في الأرض ... ابحثي باجتهاد عن هذه الزهرة الثمينة “ .
ويصِف القديس هذه الزهرة ( التي هي المسيح ) بأنها زهرة تُحِب النمو في البساتين والجنَّات ، وهي تلكَ الزهرة التي وجدتها سوسنَّة أثناء تِجوالها واستعدت وفضَّلت أن تموت عن أن تفقِد عِفِتها ، ” ولكن ما المقصود بالجنَّات ؟ إنه هو نفسه يُشير إليها قائِلاً : ’ أُختي العرُوس جنَّة مُغلقة عين مُقفلة ينبوع مختوم ‘ ( نش 4 : 12 ) لأنه في جنَّات مثل هذه تتدفق مياه النبع الطَّاهِر لِتَعكِس ملامِح أيقونة الله ، والعين مُقفلة والينبوع مختوم لئلاَّ تختلِط مياهها بالطين فتتلوث من أوحال تتمرَّغ فيها الحيوانات الروحية المُفترِسة ، ولهذا السبب أيضاً تُحاط حِشمة العذارى بِسِياج من الروح القدس ، فتصير جنَّة مُغلقة حتّى لا تُفتح وتُسرق وتُنهب ، وكَجَنَّة يصعب دخولها من خارِج ولكن يفوح منَّا أريج البنفسج مع الزيتون ، وتُعبَّق برائِحة الورود لأنَّ الإيمان يزدهِر في الكرمة والسَّلام في الزيتونة ، والحِشمة – حِشمة البتولية المُكرَّسة – في الوردة ، وهذه هي الرائِحة التي اشتَّمها البطريرك القديس إسحق قال ’ رائِحةُ ابني كرائِحةِ حقلٍ قد باركهُ الرَّبُّ ‘ ( تك 27 : 27 ) فقد أتى إليه ابنه بِحَصَاد حقله المُمتلِئ بكلّ صُنُوف الثِمار ، حصاد العمل العظيم ، حصاد الإزدِهار والإثمار “ .
وإن اشتاقت العذراء أن تكون جنَّتها عظيمة وحلوة ، فعليها أن تُغلِقها بوصايا الأنبياء ” اجعل ياربُّ حارِساً لفمي . احفظ باب شفتيَّ “ ( مز 141 : 3 ) حتّى تستطيع أن تُردِّد ” كالتُّفاح بين شجرِ الوعرِ كذلك حبيبي بين البنين . تحت ظِلِّهِ اشتهيتُ أن أجلِس وثمرتهُ حُلوةٌ لِحلقي “ ( نش 2 : 3 ) ، وأيضاً ” وجدتُ مَنْ تُحِبُّهُ نفسي فأمسكتُهُ ولم أرخِهِ .... لِيأتِ حبيبي إلى جنَّتِهِ ويأكُل ثمرةُ النَّفِيس .... تعالَ يا حبيبي لِنخرُج إلى الحقل “ ( نش 3 : 4 ؛ 4 : 16 ؛ 7 : 11 ) ، وكذلك ” اِجعلني كخاتِمٍ على قلبِكَ كخاتِمٍ على ساعِدك “ ( نش 8 : 6 ) ، ” حبيبي أبيضُ وأحمرُ “ ( نش 5 : 10 ) لأنه يليق بالعذراء أن تعرِف تماماً مَنْ تُحِبُّه ، وتُدرِك فيه كلّ سِرْ طبيعته الإلهية وسِرْ الجسد الذي أخذه ، فهو أبيض لأنه يليق به أن يكون هكذا لأنه بهاء مجد الآب ، وهو أحمر لأنه وُلِدَ من عذراء .
ويرى القديس أمبروسيوس أنَّ العذارى مُستحِقات أن يُشبَّهنَ بالكائِنات السمائية وليس بالبشر ، لأنَّهُنْ يحيينَ هنا على الأرض مُستلِمات من الرب الوصايا لِحِفْظ هذه الحياة ” اِجعلني كخاتِم على قلبِكَ “ ( نش 8 : 6 ) .
ويدعو أسقف ميلانو العذارى لأن يملأنَ حياتِهِنْ بالمخافة لتُسيِج حولهِنْ بالأمان والسَّلام في الكنيسة التي تمنح الحماية لأنها تشتاق إلى مسرِّة أولادها وبناتها ، وهي نفسها مثل ” سُورٌ وثديَاها كَبُرجينِ “ ( نش 8 : 10 ) تعتني بهِنْ دوماً فتنتهي مخاوِفِهِنْ من الهجمات المُضادَّة التي للعدو الشِّرِّير ، وهي كأُم مُترفِقة تهتم بأولادِها فمتنحهم الحُبْ والسَّلام ولهذا يقول النبي ” لِيكُنْ سلام في أبراجِكِ راحة في قُصُورِكِ “ ( مز 122 : 7 ) .
ويرى الكاتِب أنَّ طغمات الملائِكة تحرُس العذارى حِراسة خاصَّة لأنَّهُنْ في عِفَتِهِنْ الغير دَنِسة يحفظنَ خَدْر العريس الرب مُقدساً ” فلا عجب إن كانت الملائِكة تُحارِب من أجلِكُنْ ، لأنَّكُنْ تُحارِبنَ أيضاً بحياة ملائِكية “ .
وبعد أن شبَّه العذارى بالملائِكة وأوضح أنَّ طغمات الملائِكة تحرسهُنْ ، أراد أن يُجمِّل حديثه فقال أنَّ العِفة تصنع من العذارى ملائِكة ، ومَنْ يحفظ بتوليته يصير ملاكاً ومَنْ يفقِدها يُصبِح شيطاناً ، والعذراء عروس للرب ، بل أنَّ العذارى يتمتَّعنَ الآن بعربون القِيامة لأنه مكتوب ” لأنَّهُمْ في القِيامة لا يُزوِّجون ولا يتزوَّجون بل يكُونُون كملائِكة الله في السماء “ ( مت 22 : 30 ) فما وُعِدنا به في القِيامة ، تناله العذارى الآن وتتحقَّق غاية صلواتِهِنْ ، إذ أنَّهُنْ بعد في العالم ، ومع ذلك لَسَنَ منه ، ومع أنَّهُنْ يعِشنَ في هذا الزمان الحاضِر إلاَّ أنه لا يعوق إنطلاقِهِنْ .
ويُقدِّم القديس مُقارنة رائِعة بين الملائِكة الساقطين والعذارى المُرتفِعات فيقول : ” أي عجب أنَّ ملائِكة بسبب عِصيانِهِمْ سقطوا من السماء إلى هذا العالم ، بينما العذارى بسبب عِفَتِهِنْ ارتفعنَ إلى السماء من هذا العالم “ ، فهؤلاء العذارى المُرتفِعات المُطوِبات لا يغويهنْ الجسد بمسرَّاته ولا تسقُطَهِنْ الملذات الخادِعة ، ولا ينصرِفنَ إلى شهوة الشَّراهة والنهم ، عالِمات أنَّ الجهل يقود إلى طريق الشهوات في الخطية ، الأمر الذي انخدع به كثيرون ، حتّى أنَّ شعب الله بعد أن جلسوا يأكلون ويشربون أنكروا الله ( خر 32 : 5 ) .
ويتناول القديس قضية غاية في الأهمية ويُعالِجها بحكمة أبوية رسولية ، تلك هي قضية هؤلاء العذارى اللائي يشتقنَ إلى نذر بتوليتِهِنْ وعِفَتِهِنْ للعريس السمائي ولكنَّهُنْ يجدنَ المُقاومة والمُعارضة من ذوويهم أو أُمَّهاتِهِم الأرامِل ولهؤلاء يقول : ” إن أرادت بناتِكُم الاقتران برجُل عن حُبْ ، فإنَّهُنْ بموجب القانون الكنسي يخترنَ مَنْ يرغبنَ في الزواج منه ، فهل يليق أن يُسمح لهُنْ باختيار إنسان ويُمنعنَ من اختيار الله ؟ “ .
ويتحدَّث القديس عن عذارى كثيرات هُنْ جوقة من العفيفات ، تركنَ مباهِج العالم ليسكُنَّ في قُدْس البتولية ، ويذكُر أنَّ كثيراً من نذيرات العِفة المُتبتِلات تركنَ الأهل لِيَعِشنَ في شَرِكَة البتولية ، في بيوت المسيح كجُنديات سلاحِهِنْ الوحيد عِفَتِهِنْ ، يُرَتِلنَ ويُسَبِحنَ بالتراتيل الروحية ، ومن عمل أيادِيهنْ يَنَلْنَ قُوتِهِنْ اليومي غير مُعتمِدات على أحد ...
ويستطرِد أمبروسيوس ” وازداد إنجذاب العذارى لحياة البتولية ، لأنَّ سعيِهِنْ لاقتناء فضيلة الطهارة كان ينمو ويزداد مع الأيام ، مُحلِقات بحُرية أكثر كأنَّ أجنحة قد نبتت لهُنْ تُرفرِف خفَّاقة ، تُحلِّق بهِنْ إلى منازِل العِفة ، مُتهلِلاَت ناسِيات بيت الأب الجسدي لِيدخُلنَ إلى جمال الطهارة بيت العِفة المُسَيَجْ ( بيت الآب السماوي ) .. “ .
يرى القديس أنه أمر صالِح أن تتقِد في الوالدين غيرتِهِما على بناتِهِمْ العذارى ، وإذا ربحت ابنتهم العريس السمائي وإذا شبعت نِفوسِهِم به ، فلن يعوزهم شيء ولن يَعوِز عذراء المسيح شيء من ميراث أبيها الجِسداني ” فكم عظيمة هي فضيلة العِفة وكم فقيرة هي هدايا العُرس الدِنيوية إذا ما قيست بها ؟ “ .
ويحكي كاتِبنا عن العذارى اللائي يُفضِّلنَ العِفة على ميراثِهِنْ الأرضي ، وكيف يحدُث أنَّ الوالدين يُعارِضان ابنتهُما ويتحدَّثان ضِدَّها ، لكن سُرعان ما يرضخان لها ، فهما يُقاوِمان في بادِئ الأمر لعدم تصديق نية ابنتهُما وقد يُهدِّداها بحِرمانِها من الميراث ، ولكنها لا تخشى خُسارة دِنيوية مُؤقتة من أجل رِبح سمائي دائِم أبدي ، وقد يغويانها بمسرَّات كثيرة لكن العذراء لا ترضخ ، لأنها تسعى إلى الانتصار في هذه الحرب التي شُنَّت ضدَّها ...
” اغلبي أيتها العذراء شهواتِك وعاطِفتِك أولاً ، فإن تغلبتِ على مُقاومة البيت أولاً غلبتِ العالم ... افترضي أنَّكِ لميراثِك الأرضي خاسِرة ، أفلا يكفي عِوَضاً عن هذه القِنية الزائِلة أن تنعمي بالجعالات الأبدية !! لأنَّ الرِسالة السمائية تقول : ’ ليس أحد ترك بيتاً أو والدين أو إخوةً أو امرأةً أو أولاداً من أجل ملكوت الله إلاَّ ويأخُذُ في هذا الزَّمان أضعافاً كثيرةً وفي الدَّهرِ الآتي الحياة الأبدية ‘ ( لو 18 : 29 – 30 ) ...
ثِقوا في إيمانكم بالله ، اقرضوا المسيح الحارِس الأمين الذي يحفظ وديعة رجائكم ويمنحكم هِبة الإيمان بأرباح مُضاعفة ، والحق لا يخدع أبداً ، وإن لم تُؤمِنوا بكلمة الله آمِنوا بالأحرى بصِدق المواعيد التي تحقَّقت لكثيرين “ .
بعد ذلك يذكُر القديس قصة عذراء كانت من نبيلات هذا العالم ، وهي الآن ” أكثر نُبلاً وكرامة في نظر الله “ ، هذه صمَّم والِداها على أن يُزوِجاها ، فاحتمت بالمذبح المُقدس ” إذ أي مكان أفضل تلجأ إليه من ذلك المكان الذي تُقدَّم عليه الذبيحة البتول ؟ “ .
لقد تَجَاسَرَتْ وهي قُربان الحِشمة وذبيحة العِفة ، ووقفت أمام مذبح الله ويد الكاهِن على رأسِها تستعطِفه أن يُصلي لأجلِها ، وفي لهفة على عدم تأجيل مسعاها البَّار ، وضعت هامتها تحت المذبح قائِلةً ” أي ستر أعظم من هذا المذبح يُغطيني ويستُرني ، فهو الذي يُقدِّس السُتُور نفسها هذا الستر هو الأنسب والأفضل لي ، الذي فوقه يُقدِّس كلّ يوم المسيح نفسه رأس الجميع ، ماذا أنتُم فاعِلون يا عشيرتي ؟ ولماذا تُزعِجون نفسي وفِكري بسعيُكُم لزيجتي ؟ لقد استعدَّت نفسي للعُرس منذ زمان طويل ، هل أتيتُم إليَّ بعريسي الحقيقي ؟ لقد وجدت عريساً آخر أفضل ، فاصنعوا ما شِئتُمْ بثروتي ، وافتخروا ما شِئتُمْ بعريسكُم ( أي العريس الذي يُريدون أن يُزوِّجوها له ) ونُبْل أصله وامدحوا قُوَّته ، أمَّا أنا فقد اقتنيت ذاكَ الذي لا يُقارن بأحد ، الغني القوي في مملكته ، المُمجَّد في سمائه .. إن كان لديكُم مثل هذا العريس أحضروه إليَّ ، لن أرفُضه ، وإن لم تجدوه فإنكُم لا تحسِنوا إليَّ يا أقربائي بل .... تُؤذُونني !! “ ، ولمَّا رأى الجميع إصرارها على حياة التكريس البتولي انصرفوا وتركوها لتمضي إلى عريسها السمائي .
الكِتاب الثَّاني
بعد أن أوضح القديس أمبروسيوس في الكِتاب الأوَّل عِظَم موهِبة البتولية ، وضع كِتابه الثَّاني ليشرح فيه كيف تسلُك العذارى ، ولم يُقدِّم في كِتابه هذا تعاليم مُباشرة – كما قال هو نفسه ذلك – بل قدَّم أمثلة عديدة ” لأنَّ الأمثِلة تُحقِّق تقدُماً أفضل خاصَّة عندما نرى سهولة الأمور التي تمت ، وحتّى تتوقَّد غِيرتنا فنسلُك سُلُوك السابقين “ .
المِثال الأوَّل : العذراء مريم
يدعو القديس أمبروسيوس العذارى لأن يتخِذنَ من حياة العذراء مريم مِثالاً لهُنْ ، لأنَّ من حياة العذراء القديسة تنعكِس صورة العِفة وسِمات الفضيلة كما من مرآة ، وليس هناك مثال أعظم منها ، لأنه ” مَنْ أعظم من أُم الله ؟ مَنْ أمجد أو أبهى من هذه التي اختارها المجد ذاته ؟ “ .
ويأخُذ في ذِكْر فضائِل القديسة البتول ، وهو إنما يفعل ذلك لكي يحِث العذارى على السير في خُطاها والإقتداء بها في كلّ فضيلة ، لقد كانت عذراء لا في الجسد فقط بل وفي الفِكْر الذي لم يتدنس قط ، كانت وديعة القلب ، وقورة الحديث ، حكيمة التفكير ، قليلة الكلام ، دَؤوبة القِراءة ، ويمضي أمبروسيوس قُدُماً في تِعداد فضائِل أُم الله البتول التي تتعلَّم منها العذارى أن لا يضعنَ رجاءِهِنْ في الغِنَى الباطِل ولا في الأغنياء بل في صلوات المساكين والفُقراء ، وأن يكُنَّ أمينات في العمل مُتضِعات في الحديث ، تطلُبنَ الله في حياتِهِنْ ليحكُم ويضبُط كلّ أفكارِهِنْ ، لا يُؤذِينَ أحداً ، يُظهِرنَ مشيئة الخير نحو الجميع ، يُوقِّرنَ كِبار السِنْ ... لا يحسدنَ قَرِيبَتَهِنْ ، يتجنبنَ المديح ، يسلُكنَ بحكمة ، لا يحتقرنَ البُسطاء ولا يُهمِلنَ المُعوزين ، عِيونِهِنْ تتسِمْ بالهدوء ، وكلماتِهِنْ بالرِّقة وأفعالِهِنْ بالاعتدال وسُكناتَهِنْ بالحِكمة ، خطواتِهِنْ محسوبة وأصواتِهِنْ تبعث على السكينة ... على مِثال العذراء مريم التي كانت كلّ هذه الفضائِل موجودة ومرئية فيها ... فقد كانت البتول مريم ناسِكة قليلة الأكل ، كثيرة الخَدَمات ، تقضي مُعظم أيامها صائِمة ، وإن نامت استيقظت نفسها واستيقظ قلبها يتأمَّل فيما قرأته ...
ويحِث القديس أمبروسيوس العذارى على الحِشمة والاتضاع مُقتديات بأُم الله التي تحدَّث الكِتاب المُقدس عن حِشمتها واتضاعها نحو جيرانها ، ويَحِثَهُنْ أيضاً على أعمال الرحمة والمحبة كما فعلت العذراء مع أليصابات عندما مكثت عندها ثلاثة شهور تخدمها .
ويُؤكِد على أنَّ الحِشمة كانت فضيلة العذراء مريم ، لأنَّ ” الحِشمة والبتولية لا تنفَصِلان أبداً “ .
” هذا هو مِثال البتولية ، والعذراء مريم وحدها درس للجميع ولِنَتَعَلَّم من حياتها لِمنفعتنا ، فكم عدد الفضائِل التي تتألَّق في عذراء واحدة : سِرْ الحِشمة والاتضاع ، راية الإيمان ، خدمة التكريس والنذر ... عذراء في البيت ، رفيقة في الخدمة ، أُم في الهيكل “ .
ثم يتساءَل أمبروسيوس : ” كم عذراء ستُقابِل القديسة مريم التي ستُعانِقِهِنْ وتأتي بهِنْ إلى الرب ؟ “ ، ويتخيل القديس المشهد ويرى العذراء تُعانِقِهِنْ قائلةً : ” هذه كانت أمينة لعريسها ، لابني ، لقد حفظت خُدرها العُرسي بحشمة لا تتدنَّس “ .
ويرى جُموع الملائِكة الفرحة المُتهلِلة بالنَّفْس التي وُجِدت مُستحِقة أن تسكُن في السماء لأنها عاشت على الأرض حياة سمائية .
ولا يتردَّد القديس في أن يدعو العذارى هياكِل الله لأنَّ نِفُوسِهِنْ هي فعلاً هياكِل لله ومذابِح له يُقدَّم عليها المسيح كلّ يوم ، فالعذراء تخلع عنها الجسد التُّرابي وتلبِس آخر روحانياً صنعته يد الكاهِن الأبدي .
المِثال الثَّاني : القديسة تكلة
بعد أن قدَّم القديس أمبروسيوس العذراء كنموذج حياة للعذارى المُكرسات ، يُقدِّم الشهيدة تكلة كنموذج استشهاد وموت يتعلَّمنَ منه كيف يُقدِّمنَ حياتِهِنْ وأجسادِهِنْ لله ، لأنها إذ رفضت أن تعرِف زوجها جِسدانياً أدانها زوجها في ثورة غضبه وصدر ضِدّها الحُكم بإلقائها بين أنياب الوحوش الضارية ” لكن طبيعة الحيوانات تبدَّلت من الإفتراس إلى توقير وتكريم البتولية “ ... فعندما أطلقوا أسد كاسِر لِيفترِسها ، ركع وراحَ يلعق قدميها ، ساكناً هادِئاً لا يتقدَّم ولا يتجاسر على إيذاء جسد البتول الطاهر !!
وهكذا كرَّم الوحش فريسته مُتناسياً طبيعته الوحشية ، لابِساً تلك الطبيعة التي فقدها البشر ... ويستعجِب كاتِبنا من هذه الأمور ، فطبيعة الإنسان وقد اكتست بالوحشية والقسوة تنخُس الوحش نحو الفتك والقتل ، بينما الحيوان – الكاسِر بطبيعته – ساجِد يُقبِّل قدمي القديسة البتول ، ناخِساً ضمائِر البشر ومُعلِّماً إيَّاهُم ما ينبغي أن يكون فيهم من خِصال ...
ويُعلِّق القديس على هذه القصة بأنَّ البتولية فيها من الفضائِل ما أثار حتّى إعجاب وتقدير الوحوش ، فتوقفت عن الإفتراس بالرغم من أنَّ الإنسان قد حرمها من الطعام ، ولم تُثيرهم رؤية جسد العفيفة ولا أثارت فيهم غريزة القتل ، فلم يغلبهم الغضب كما كان من قبل ، بل أخذت الوحوش تُوقِر وتُكرِّم العفيفة البتول ، وأعطت البشر درساً في عظمة واستحسان البتولية عندما ركعت تُقبِّل قدمي البتول .


المِثال الثَّالِث : عذراء من أنطاكية
وخوفاً من أن يقول البعض : ” كيف سُقتَ لنا مِثال القديسة العذراء مريم كما لو كان هناك مَنْ يقدِر أن يتشبَّه بأُم الله ؟ ولماذا ذكرت مِثال القديسة تكلة التي علَّمها رسول الأُمم ؟ أعطِنا مُعلِّماً من نفس مُستوانا إن كُنت ترغب في تعليمنا وتلمذتنا “ ، قدَّم أمبروسيوس مِثالاً حديثاً حتّى يعلم الجميع أنَّ الرَّسول بولس ليس مُعلِّماً لواحدة فقط بل لكثيرات أُخريات .
فقد كان في أنطاكية عذراء تحاشت أن تراها عُيون الناس في الأماكِن العامة ، مُتجنِبة نظرات الرِجال الذين اشتاقوا كثيراً وتطلَّعوا إلى الإقتران بها ، وخِشية أن يتمادوا في الإشتعال بشهوتِهِمْ ، كانت تعترِف علانية برغبتها في حِفْظ بتوليتها ومن ثمَّ تُطفِئ بأقوالِها لهيب الأشرار .
ولكن الإضطهاد ثار ضِدَّها ، ولم تعرِف العذراء أين تذهب ، وكان كلّ خوفِها أن تقع في أيدي الذين خطَّطوا ضِد عِفتها ، ولذلك هيَّأت نفسها لفضيلة بُطولية ، إذ كان لها إيمان بلغ حد الاستهتار بالموت ، ورجاؤُها العظيم جعلها تنتظِره ، حتّى أتى يوم إكليلها ، وأحضروا البتول التي أعلنت أمام الجميع إيمانها وعِفِتها ، وحينما تأكَّدوا من إصرارها على اعترافها وخشيتها على حِشمتها واستعدادها لتحمُّل العذابات ، عقدوا العزم على إجبارها للتخلي عن إيمانها وذلك بالقضاء على بتوليتها ، لذلك صدر الحُكم بإيداعها بيتاً سيِّئ السُمعة ، إن هي رفضت السجود للأوثان .
لقد ساقوا العذراء إلى بيت الخِزي لكن البتول تظل في أي مكان عروس للمسيح وهيكل لله ، فلم تقدِر بيوت الخِزي أن تُؤذيها أو تُؤذي عِفتها بل عصفت عِفتها بالبيت الردئ السُمعة .
إندفع إلى المكان جمع غفير من رِجال مُحترقين بالشهوة الرديئة ، أمَّا هي فقد رفعت يديها نحو السماء ، كأنها جاءت إلى بيت للصلاة وليس إلى مُستنقع شهوات ، وصرخت قائلة :
” أيها الرب يسوع المسيح ، يا مَنْ روَّضت الأُسود المُفترِسة من أجل البتول دانِيال ( دا 6 : 22 ) اسمح الآن أيضاً يارب أن تُروِض أفكار هؤلاء الرِجال ... لقد صارت النار كالندى حول أجساد الفِتية الثَّلاثة العِبرانيين ( دا 3 : 27 ) ووقف الماء يخدِم اليهود ( خر 14 : 22 ) وصار لهم سوراً عن يمينهم وعن يسارِهِمْ ، كرحمتك لا كطبيعته ، لقد ركعت سُوسنَّة تنتظِر عِقابها لكنها انتصرت على الذين إتهموها بالزِنى ، لقد يبست اليد التي امتدت نحو مذبحك لتعصِف به ، وتُدنِس ذخائِر هيكلك المُقدس ( 1مل 13 : 4 ) وها هو هيكلك الآن قد أوشكوا أن يُدنِسوه ، فلا تسمح أن ينتهكه أحد ، أنتَ الذي لا يسلِبك أحد ، فليتمجَّد اسمك الآن حتّى أنني ، وقد سلَّموني إلى الخِزي ، أخرُج بتولاً “ .
وما أن انتهت من صلواتها حتّى اقتحم المكان رجُل تبدو عليه سِمات مُحارِب جسور ، فارتعد الحاضِرون ، أمَّا هي فلم تنسى ما قرأته وقالت : ” ذهب دانِيال ليُشاهِد عِقاب سُوسنَّة لكنه وحده أثبت براءتها “ وتساءلت : ” قد يختفي خروف في هيئة هذا الذِئب ، وللمسيح أيضاً جنوده ، فهو قائِد الطغمات الملائِكية ( مت 26 : 53 ) أو ربما هو الجلاَّد الذي يُنفِذ حُكم الإعدام !! فلا تخافي يا نفسي لأنَّ مثل هذا يصنع الشُّهداء “ .
ويمضي أمبروسيوس في حديثه الشيِّق فيروي أنَّ الجُندي قال لها ” لا تخافي يا أُختي ، أرجوكِ ، فأنا كأخ لكِ أتيتُ لأُنقِذ حياتِك ، لا لأُهلِكها ... فلنستبدِل ثِيابنا لأنَّ الذي لي يُناسِبك والذي لكِ يُناسبني وكِلانا للمسيح ، ثوبِك سيجعلني جُندياً حقيقياً ، أمَّا ثوبي فسيجعلِك عذراء حقيقية للمسيح ، ارتدي ملابسي حتّى لا يتعرَّف عليكِ أحد أمَّا أنا فلن أرتدي شيئاً حتّى يعرفني المُضطهِدون ، خُذي الثوب الذي يُخفي مظهرِك كعذراء واعطني الثوب الذي يُقدسني كشهيد ، خُذي والبسي العباءة التي تُخفي أطراف البتول وتحفظ عِفتها وحِشمتها ، خُذي غِطاء الرأس الذي يُغطي شعرِك ويستُر طُهرِك ، وعندما تخرُجين احرصي ألاَّ تنظُري إلى الوراء ، وتذكَّري امرأة لوط ( تك 19 : 26 ) التي فقدت طبيعتها نفسها حينما نظرت للوراء إلى ما هو دَنِسْ ونَجِسْ حتّى بعيون طاهرة عفيفة !! لقد خدمتِ الخدمة الصَّالِحة التي للعِفة التي جعالتها الحياة الأبدية ، لقد لبستِ دِرع البِّر الذي يحمي الجسد بالسلاح الروحاني ، وأخذت تُرس الإيمان الذي به تدفعين عنكِ الجِراح ، ولبستِ خُوذة الخلاص ( أف 6 : 14 – 17 ) لأنه حيث يوجد المسيح ، يوجد دِفاع عن خلاصنا ، إذ كما أنَّ الرجُل رأس المرأة ، هكذا المسيح رأس العذراء البتول “ .
ثم خلع الفارِس عباءته – وكان هذا الرِداء يلبِسه الزُّناة والمُضطهِدون – وقدَّمهُ للعذراء ...
ويُعلِّق أمبروسيوس بتأمُلاته العميقة قائِلاً : ” يا له من مشهد ! يا له من إعلان عن النِعمة أنَّ شاباً وشابَّة استعدَّا للاستشهاد داخل بيت سيِّئ السًُمعة !! تأمَّلنَ تلك الصِفات : جُندي وعذراء هل بينهُما اتفاق في طبيعتهِما ؟ لكنهُما صارا مُتفقين برحمة الله ، كي يتحقَّق المكتوب أنَّ الحَمَلْ والذِئب يرعيان معاً ( إش : 65 : 25 ) وها هُوذا الحَمَلْ والذِئب لا يرعيان فقط معاً بل يُقدِّمان ذبيحة معاً !! وبعد أن استبدلت ( العذراء ) رِداءها هربت من الإثم لا بجناحين من عِندها ، بل قد أُعطيت جناحين روحانيين ، وفي مشهد لم يرهُ أحد من قبل تركت بيت الخِزي عذراء ، عذراء للمسيح “ .
أمَّا الذينَ كانوا يحدِقون بأعيُنهم الشِّرِّيرة فلم يروها وهي تخرُج ، إذ كانوا كلُصوص حول الفريسة ، أو كذِئاب حول حَمَلْ !! أمَّا التي بلا خِزي فقد خرجت من وسطِهِمْ ، لكن سُرعان ما عرف الحاضِرون بأمر الجُندي الذي ساعد العذراء على الهرب ، فصدر الحُكم بموته بدلاً من العذراء التي سهَّل هروبها ، ولكن ما إن علمت العذراء بذلك حتّى ذهبت لِتنال إكليل الشهادة ، ولمَّا عاتبها الجُندي قالت : ” لم أقبل أن تُنقِذني من الموت لِتموت أنتَ بل لأُحافِظ على عِفتي ، ولستُ أسألك أن تُسدِّد عني الدِين فأنا مُستعدة أن أوفيه بحياتي ، ولن أقبل أن تموت عني ، فلأمُت بريئة بدلاً من موتي مُذنِبة ، فلا تسمح أن أُدان بموتك بل أن أتبرَّر باستشهادي ... فالعذراء تقبل أن تُقطع أوصالِها عن أن تُؤذي عِفتها ، تقبل أن تُجرح في جسدها عن أن تُجرح في كرامتها بالمهانة والخِزي ، أنا لا أتحاشى الاستشهاد بل أهرب من الخِزي ، إن أنتَ قبلت الموت عني فلستُ تُنقذني بل تخدعني ، لا تُحاوِل إعاقتي عن تنفيذ هذا الحُكم فيَّ ، لأنَّكَ إن أعتقتني ستكون قد حكمت عليَّ بميتة أشر وأمَرْ على نفسي بين الأشرار الذين يُريدون إلتهامي ، فلا تسمح لِعِفتي أن تتهدَّد بالخطر ، وسوف تُكرَّم أكثر إن أنتَ جعلتني شهيدة أفضل من أن أموت زانية “ .
ويختَتِمْ أمبروسيوس هذه البطولة الروحية :
” ماذا تعتقِدون كانت النِهاية ؟ لقد حُكِمَ على الاثنين بالموت ! الاثنان أُدِينا ! وكِلاهُما نال النُّصرة ، لم يُقسم الإكليل بل صار الإكليل إكليلين ... هكذا الشُّهداء يحِثُّون بعضهم على الاستشهاد من أجل إكليل الحياة الأبدية “ .
الكِتاب الثَّالِث
يتحدَّث القديس أمبروسيوس في الكِتاب الثَّالِث عن لِيبريوس أسقف روما ( 352 – 366م ) حينما سلَّم مارسلينا ( أُخت القديس أمبروسيوس ) زي الرَّهبنة ، ففي يوم ميلاد المُخلِّص ، وفي كنيسة القديس بطرُس ، تقدَّمت مارسلينا للتكريس ونذر البتولية ” وأي يوم أعظم من ذاكَ الذي استُقبِلت فيه العذراء وليدها الإلهي ؟ “ وكانت هناك عذارى كثيرات واقِفات حول مارسلينا يتنافسنَ على مُرافقتها ، وقال لها الأسقف : ” لقد اشتهيتِ يا ابنتي عُرساً صالِحاً “ .
ثم وصف الحشود التي جاءت لِتُشارِكها في يوم عُرسها ويوم ميلاد عريسها ، وكيف أنَّ أحداً منهم لم يمضي بدون طعام ، لأنَّ العريس هو ذاكَ الذي حينما دُعِيَ إلى العُرس حوَّل الماء إلى خمر ( يو 2 : 9 ) وهو أيضاً يهِب سِرْ البتولية الطاهِرة ، ويُجدِّد الطبيعة التي كانت ماديَّة جِسدانية ، وهو ذاكَ الذي أطعم أربعة ألاف في البَّرِّية بخمس خُبزات وسمكتين ( لو 9 : 13 ) وقد دُعِيَ كثيرين وكثيرات لِحضور حفل عُرسها .
ويتحدَّث القديس عن الفضائِل التي يجب أن تتحلَّى بها العذراء وهي :
1) تجنُّب الخمر والشَّراهة : فيحِث أمبروسيوس العذارى على تجنُّب الخمر الذي يُشعِل الشهوات الشبابية الجِسدانية ، وعلى الإكثار من الأصوام التي كلِجام تكبح جِماح الشهوات ، ويدعوهُنْ ليحكُمنَ ويُثبِّتنَ الرجاء ولِيملأنَ قُلوبِهِنْ بالمخافة ، ” لأنَّ الذي لا يعرِف كيف يضلُط شهواته ورغباته ، يُشبِه رجُلاً يمتطي جواداً برِياً جامِحاً يطرحه أرضاً ويدهِسه ويجرحه “ ... وكذلك يجب أن تُقلِّل العذارى من الأكلات الحريفة التي تُلهِب الجسد .
2) الحِشمة والصمت : يُعلِّم أسقف ميلان العذارى أن يُقلِّلنَ من زيارتِهِنْ سواء للأهل أو لغيرِهِم ، لأنَّ الحديث والكلام يضُر الإحتشام ، والجرأة تُشوهه ، والضحكات تزحف إليه فتفسِده ، والأدب واللياقة مطلوب وضروري ، وعدم إجابِة سؤال أحد هو تصرُّف طُفولي لا يليق ، والإجابة أيضاً تصرُّف لا يليق إذا اتسمت بالثرثرة ! لذلك ينصح القديس العذارى أن يكون حديثِهِنْ تحت إلحاح الضرورة فقط ، لأنه ما دامت النِساء قد أوصينَ بعدم التحدُّث في الكنائِس حتّى عن الأمور الإلهية ، فكم بالحري يكون احتراس العذارى اللائي يُوقِّرنَ الإحتشام والصمت والسُّكون .
3) الأصوام : يمتدِح القديس في أُخته أصوامها الكثيرة ، ولكنه يُعلِّم العذارى أنَّ هذه الأمور تُناسِب السنوات التي في شباب العُمر ، لكن حينما تنتصِر العذراء على جسدها ، يجب أن تُقلِّل من أتعابها ونُسكها لكي تُحافِظ على نفسها مُعلِّمة لصغيرات السِنْ ، فإنَّ الكرمة المُثقَّلة بالأغصان كثيرة الثِمار سُرعان ما تنكسِر إن لم تُقطف أثمارُها من حينٍ لآخر ، وتثبُت للخلف حتّى لا تنحني تحت ثِقَلْ الثمر المُتضاعف ، ولكن وهي صغيرة فلتنمو بالأثمار الكثيرة ..
ويُقدِّم القديس أيضاً مَثَلْ الزارِع الصَّالِح الذي يهتم بتفليح التُّربة وبِحِفْظ الكرمة في أحسن الأحوال ، ويحميها من الصقيع ويحرُسها من الاحتراق بشمس مُنتصف النهار اللافِحة .. ” فهل أنتِ أيضاً ، يا مَنْ تُجاهدين في بتولية ، تُبذِّرين حقلِك بالبِذار المُختلِفة ، مرَّة بالعمل المُعتدِل ، ومرَّة بالأصوام الكثيرة وبالقِراءات والصلاة “ ... ويحِث العذارى أن يتشبَّهنَ بالزارِع الصَّالِح فيتجنبنَ تشقُّق تُربتهُنْ بالأصوام الكثيرة المُبالغ فيها التي تُشبِه محراث ثقيل يُتعِب التُّربة ... ويقول أمبروسيوس : ” لِيَتَفَتَّح البنفسِج وليرتوي من نبع الدم المُقدس ، وهناك قول شائِع يقول أنَّ ما تُريد أن تنجِزه بوفرة وإفراط ، أحياناً لا تفعله على الإطلاق ، وإن كان البعض مِنُكُنْ يُزيد على الصوم الأربعيني أياماً أخرى يصُمنَ فيها ، فليكُنْ ذلك من أجل الإيمان لا للتباهي والتفاخُر “ .
4) الصلاة : يمدح أسقف ميلان الصلاة لأنها تربُطنا بالله ، فإذا كان النبي يقول ” سبع مرَّاتٍ في النَّهار سبَّحتُكَ “ ( مز 119 : 164 ) حتّى وهو مشغول بشئون المملكة ، فكم يليق بِنا نحن أن نفعل ؟ نحن الذينَ نقرأ : ” اِسهروا وصلُّوا لئلاَّ تدخُلُوا في تجربةٍ “ ( مت 26 : 41 ) .
وينصح القديس بأن تُقام الصلوات المُعتادة مصحوبة بالشُّكر الذي نرفعه لله عندما ننهض من النوم ، وحينما نرجع من العمل وحينما نستعِد لتناول الطعام وبعد الإنتهاء منه .
وكذلك يحِث العذارى أن يُصلينَ في مخادِعِهِنْ بالمزامير دوماً مع الصلاة الرَّبانية ، حتّى يتحرَّرنَ من الإهتمامات العالمية ويتأملنَ في أمور الله ، وكذلك ينصحهُنْ بترديد قانون الإيمان كخِتم على قُلوبِهِنْ يومياً قبل طُلوع النهار وأن يُردِّدنهُ سِراً إذا تعرَّضنَ للخوف من أي شيء ، ” لأنَّ الجُندي في خندقه والمُقاتِل في موقِعه لا يُمكن أن يتجرَّد من قِسْمه الذي يُحافِظ على ترديده باستمرار “ .

الفصل الخامِسْ
القديس چيروم
” الرسالة إلى استوكيوم “
LETTER TO EUSTOCHIUM
يستهِل القديس چيروم رِسالته بقول المزمور : ” اِسمعي يا بِنْتُ وانظُري وأميلي أُذُنَكِ وانسي شعبَكِ وبيتَ أبيكِ فيشتهي الملِكُ حُسْنَكِ “ ( مز 45 : 10 – 11 ) ففي هذا المزمور يتحدَّث الله إلى النَّفْس البشرية التي يجب أن تخرُج – على مِثال إبراهيم – من أرضها وأهلها وتسكُن في أرض الأحياء ، تلكَ التي يتنهد لأجلها المُرنِم في موضِع آخر قائِلاً : ” آمنتُ بأن أرى جُود الربِ في أرض الأحياء “ ( مز 27 : 13 ) .
لكن لا يكفي الخروج من الأرض ما لم ينسَ الإنسان أهله وبيت أبيه ويبغُض الجسد ، ويُنبِّه چيروم استوكيوم إلى أنه من غير النافِع أنَّ الإنسان بعد أن يضع يده على المِحراث ينظُر إلى الوراء ، أو يعود إلى البيت من الحقل ، أو بعد أن لَبَسْ عباءة المسيح ينزِل من السطح ليرتدي ثوباً آخر .
وإذا تساءل البعض عن الجعالة التي يجنيها من تركه لبيت الطفولة ونِسيانه لأهله ، يُجيبه چيروم شارِحاً أنَّ الكِتاب المُقدس يقول ” مِنْ أجل هذا يترُكُ الرَّجُلُ أباه وأُمَّهُ ويلتصِقُ بامرأته ويكونُ الاِثنانِ جسداً واحداً “ ( أف 5 : 31 ) ، فهذه هي البتولية لكن ليس كما في النص جسد واحد ، بل هي زيجة روحية مع الرب في روح واحد .
ويُحدِّث چيروم استوكيوم عن جمال عريسها فيقول أنه ليس مغروراً أو مُتكبِراً بل لقد تزوَّج امرأة كوشية ( قارِن عد 12 : 2 ) ولكن ” ما إن ترغبي أن تستمعي لحكمة سُليمان الحقيقي وتأتي إليه حتّى يكشِف لكِ كلّ ما يعرِفه ، ويقودِك الملِك إلى حِجاله ، وعندما يتغيَّر لونِك بطريقة عجيبة ، سينطبِق عليكِ القول : مَنْ هذه الطَّالِعة مِنَ البرِّيَّةِ ؟ ( نش 8 : 5 ) “ .
وباتضاع ومحبة يقول چيروم ” أكتُب هذا إليكِ يا سيِّدتي استوكيوم – ولابد أن أدعوكِ سيِّدتي لأنَّكِ عروس سيِّدي – كي من بدايِة رسالتي تعلمين أنني لن أتحدَّث في مديح البتولية ولن أُعدِّد عيوب الزواج ، لأنَّ للنِساء مكانَتَهِنْ : زواج مُكرَّم ومضجع غير نجِس ( عب 13 : 4 ) “ ويُحذِرها أنها بينما تخرُج من سدوم يجب أن يكون مصير زوجة لوط تحذيراً لها .
ويطلُب منها ألاَّ يطغيها الكِبرياء والعجب بسبب نذرها البتولي ، بل على العكس يجب أن تمتلئ بالمخافة ، ويقول : ” فإذا كُنتِ تسيرين مُحمَّلة بالذهب ، لابد أن تكوني حَذِرة من اللُصوص “ وليس من أحد يسير وسط الحيَّات والعقارِب دونَ قلق وحذر ، فنحن في هذه الحياة الفانية لكي نُجاهِد ومن ثمَّ نُكلَّل في الموضِع الآخر ، ولا يُمكن أن يظُنْ الإنسان أنَّ هناك سلاماً على الأرض التي تُنبِت شوكاً وحَسَكاً .
فإنَّ مُصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ بل مع الرُّؤساء مع السَّلاطين مع وُلاة العالم على ظُلمة هذا الدَّهرِ مع أجناد الشَّرِّ الرُّوحية في السَّماويَّات “ ( أف 6 : 12 ) وهكذا نحن مُحاطون بِقُوَّات العدو ، وفي كلّ موضِع الكثير من الأعداء ، وجسدنا الضعيف يُصارِع وحده مع كثيرين ، لكن عندما ينحل هذا الجسد وعندما يأتي رئيس هذا العالم ولا يكون له فيه ( أي في الجسد ) شيء ، عندئذٍ سيسمع هذا الجسد بلا هم كلِمات النُّبوة : ” لا تخشى مِنْ خوفِ اللَّيلِ ولا مِنْ سهم يطيرُ في النَّهارِ . ولا مِنْ وباءٍ يسلُكُ في الدُّجَى ولا مِنْ هلاكٍ يُفسِدُ في الظَّهيرةِ . يسقُطُ عن جانِبِكَ ألفٌ ورَبوات عن يمينِكِ . إليكَ لا يقرُب “ ( مز 91 : 5 – 7 ) .
لكن إذا تسبَّبت كثرة الأعداء في اضطراب الإنسان ويبدأ ينزعِج بسبب حروب الخطية ويتساءل ” ماذا أفعل ؟ “ يُجيبه أليشع : ” لا تخف لأنَّ الذينَ معنا أكثر من الذينَ معهم “ وسوف يُصلي قائِلاً : ” ياربُّ افتح عينيهِ فيُبصِر “ ( 2مل 6 : 17 ) وعندما تنفتِح عينيهِ سيرى مركبة نارِيَّة تحمِله مثل إيليا ، فيُرنِم بفرح : ” انفلتت أنفُسنا مثل العُصفُور من فخ الصَّيَّادين الفخ انكسر ونحن انفلتنا “ ( مز 124 : 7 ) .
ويُؤكِد القديس چيروم أننا مادُمنا في سِجْن هذا الجسد الضعيف ، ومادام لنا هذا الكِنْز في أوانٍ خزفية ( 2كو 4 : 7 ) ، ومادامت الروح تشتهي ضد الجسد والجسد ضد الروح ، ليس هناك انتصار مُؤكد ، لأنَّ عدونا الشيطان كأسِد زائِر يجول مُلتمِساً من يبتلعه ( 1بط 5 : 8 ) وداود يقول : ” تجعلُ ظُلمةً فيصيرُ ليلٌ . فيهِ يَدِبُّ كُلُّ حيوان الوعرِ . الأشبال تُزمجِرُ لِتَخْطف ولِتلتَمِس مِنَ الله طعامها “ ( مز 104 : 20 – 21 ) .
إنَّ الشيطان لا يطلُب غير المؤمنين ولا هؤلاء الذين هم خارِجاً ، بل يُسرِع لِيصطاد ضحاياه من كنيسة المسيح ، فالمُختارون – بحسب حبقوق – هم طعامه ، فقد سعى لِيُجرِّب أيوب ، وبعد أن افترس يهوذا ، طلب سُلطاناً أن يُمحِّص الرُّسُل .
ويستمِر چيروم في حث استوكيوم على اليقظة والصحو الدائِم ، ويُقدِّم لها بولس الرَّسول مثلاً وقدوة ، فإذا كان بولس وهو إناء مُختار ( أع 9 : 15 ) ومُستعِد لإنجيل المسيح ، يقمع جسده ويستعبِده ( 1كو 9 : 27 ) لئلاَّ بعدما كرز للآخرين يصير هو نفسه مرفوضاً ، ومع هذا كلّه يرى ناموساً آخر في أعضائه يُحارِب ناموس ذِهنه ويسبيه إلى الخطية ( رو 7 : 23 ) وإذا كان بعد العُري والصوم والجوع والسِجن والضربات والعقوبات يتنهد قائِلاً : ” ويحي أنا الإنسانُ الشَّقيُّ . مَنْ يُنقِذني من جسد هذا الموت “ ( رو 7 : 24 ) فهل يجب أن نظُن نحن أننا في أمان ؟
ويطلُب چيروم منها قائِلاً : ” أرجوكِ أن تحترسي لئلاَّ يقول لكِ الله يوماً : ’ سقطت عذراء إسرائيل لا تعُودُ تقُومُ . انطرحت على أرضِها ليس مَنْ يُقيمُها ‘ ( عا 5 : 2 ) أنا أتحدَّث بجرأة : رغم أنَّ الله يُمكن أن يفعل كلّ شيء ، إلاَّ أنه لا يستطيع أن يُقيم عذراء بعد سقوطها ، وبالرغم من أنه يستطيع أن يُحرِّرها من المُجازاة والعقوبة ، إلاَّ أنه لا يستطيع أن يُكلَّل مَنْ قد فسد “ .
ويُعلِّمها چيروم أنَّ علينا أن نخاف لئلاَّ يتحقَّق قول الكِتاب ” تذبُلُ بالعطشِ العذارى الجميلات “ ( عا 8 : 13 ) لأنَّ هناك أيضاً عذارى جاهِلات رديئات ، والكِتاب المُقدس يقول : ” كُلَّ مَنْ ينظُرُ إلى امرأةٍ لِيشتهيها فقد زنى بِها في قلبِهِ “ ( مت 5 : 28 ) فالبتولية إذاً يُمكن أن تُفقد حتّى بالفِكْر ، وهؤلاء هُنْ العذارى الجَاهِلات ، عذارى في الجسد لكن ليس في الروح ، اللائي إذ ليس لهُنْ زيتاً أغلق العريس الباب أمامِهُنْ .
ويرى القديس أنه من الأفضل للعذراء أن تتزوج برجُل عن أن تسقُط في أعماق الجحيم بِمُحاولتها أن تنال المراقي العالية ، ويُخاطِب استوكيوم ” أرجوكِ لا تجعلي مدينة صهيون المُؤمِنة تصير زانية ، لئلاَّ بعد أن نالت حِمايِة الثَّالوث ، ترقُص فيها الشياطين ويجعلون عِشَشَهُمْ فيها “ .
وينصحنا چيروم مع استوكيوم أنه ما إن تبدأ الشهوة تُهاجِم الحواس ويبدأ بريقها المُغري يُؤلِمنا ، يجب أن نصرُخ ” الرَّبُّ لي فلا أخاف . ماذا يصنعُ بي الإنسانُ “ ( مز 118 : 6 ) وإذا اضطرب الإنسان الباطني وتذبذب بين الفضائِل والخطايا ، يجب أن نقول : ” لِماذا أنتِ مُنحنيةٌ يا نفسي ولِماذا تئنينَ فيَّ . ترجَّي الله لأني بعدُ أحمدُهُ خلاص وجهي وإلهي “ ( مز 42 : 11 ) ولا ندع شيئاً من بابِل ينمو داخِلنا بل نُهلِك العدو وهو بعد صغير أي في بِداياته ولذلك يقول المُرنِم : ” يا بِنْتَ بابِل المُخزية طُوبى لِمَنْ يُجازِيكِ جزاءَكِ الذي جازيتِنا . طُوبى لِمَنْ يُمْسِكُ أطفالَكِ ويضربُ بِهم الصَّخرة “ ( مز 137 : 8 – 9 ) لأنه من المُستحيل أن تنجو حواس الإنسان من حروب الشهوة ، ومُبارك هو ذاكَ الذي ما إن تبدأ هذه الأفكار في النمو حتّى ينزع كلّ خيالاته وتصوراته ويُحطمها على الصخرة ” والصَّخرةُ كانت المسيح “ ( 1كو 10 : 4 ) .
ويروي چيروم بعضاً من الحروب والتجارُب التي أتت عليه أثناء إقامته في البرِّيَّة ، فبينما كان مُقيماً في وحدة شاسِعة تحت الشمس الحارِقة ، كثيراً ما كان يظُنْ أنه وسط مباهِج روما !! كان جِسمه مُغطَّى بقسوة بالمِسوح الخَشِنة ، وصار لبشرته شكل الجسد الأثيوبي الأسود ، وكان يبكي كلّ يوم وينوح ويإنْ ، وعندما كان يغلِبه النوم ، كان ينام على الأرض العارِية ، وكان يعتبِر تناوُل الطعام المطبوخ ترفاً ، ويشرح أنه هو الذي حكم على نفسه بهذا السِجْن خوفاً من الجحيم ، ولم يكُنْ له رُفقاء سِوَى العقارِب والحيوانات وبالرغم من ذلك كلّه كان يُحاط كثيراً ببنات راقِصات ، ويقول ” كان وجهي شاحِباً من الصوم ، وعقلي مُلتهِباً بالشهوة في جسد بارِد كالثلج “ ورغم أنَّ جسده كان ميِتاً ، إلاَّ أنَّ نيران الشهوات ظلَّت تتأجَّجْ داخله .
ويستطرِد چيروم راوِياً أنه اعتاد ، عندما كان بلا أي رجاء ، أن يُلقي بنفسه عند قدمي يسوع ويغسلهُما بدموعه ويمسحهُما بشعر رأسه ( لو 7 : 38 ) وعندما كان جسده يثور ، كان يقمعه ويُخضِعه بأسابيع من الأصوام ، ” وأتذكَّر أنني كثيراً ما واصلت النهار بالليل بسبب أحزاني ولم أكُنْ أتوقف عن قرع صدري حتّى يعود إليَّ سلام الذِهن بتوبيخ الرب “ .
ويتساءل قائِلاً أنه إذا كان المُتوحِدون يُحارَبون بمثل هذه التجارُب ، فكم يجب على العذراء أن تتحمَّل وهي التي يُهدِّدها الترف ؟ لذلك يجب أن تتذكَّر قول الرَّسول ” أمَّا المُتنعِّمة فقد ماتت وهي حيَّةٌ “ ( 1تي 5 : 6 ) وينصح قارِئته أن تحذر الخمر مثل السُّم ، لأنَّ العدو داخِلنا فحيثُما نذهب نحمِل عدونا معنا ، والخمر مع الشباب تُلهِب نيران الشهوات .
أمَّا عن طعام العذارى ونُسكِهُنْ ، فيجدنَ لهُنْ أمثلة كثيرة في الكِتاب المُقدس ، مثل الأنبياء إيليا وأليشع ودانِيال ، وفي الكِتاب المُقدس العديد من المواضِع التي تدين البَطنة وتمتدِح الطعام البسيط .
فالإنسان الأوَّل طُرِد من الفِردوس إلى وادي الدِموع لأنه أطاع بطنه وشهوته أكثر مِمَّا أطاع الله ، وبالجوع أيضاً جرَّب الشيطان الرب في البرِّيَّة ، والرَّسول يقول ” الأطعِمة للجوف والجوفُ للأطعِمة والله سيُبيدُ هذا وتِلكَ “ ( 1كو 6 : 13 ) ، وعن الشهوانيين يقول ” إلهُهُم بطنُهُمْ “ ( في 3 : 19 ) وفي الواقِع ” كلّ إنسان يعبُد ما يُحِب “ .
ويُحذِّر چيروم استوكيوم أنها إذا قالت أنها سليلة أُسرة نبيلة وتربَّت على الأطعمة الشهية والتَّرف ، ومِنْ ثمَّ لا تستطيع الإمتناع عن الخمر والأطعمة الفاخِرة ، وأنها لا تستطيع أن تحيا بحسب قسوة ونُسْك هذه التدابير ، فإنَّ العريس سيُجيبها ” طالما لا تستطيعي أن تعيشي بحسب ناموس الله ، عيشي إذاً بحسب نامُوسِك “ ليس لأنَّ الله خالِق الكون وربُّه يُسَرْ بِخَواء مِعدتنا بل لأنه لا يُمكن حِفْظ البتولية بأي وسيلة أخرى .
ويُنبِّهها چيروم أنه طالما أنها أوِّل عذراء من الطبقات الرَّاقِية في روما قبلت أن تحيا راهِبة ، يجب أن تُجاهِد بحماسة أكبر لئلاَّ تخسر الجعالات الحالية والمُستقبلية ، ويجب ألاَّ تختلِط بالسيِّدات المُتزوجات ويجب ألاَّ تزور البيوت الرَّاقية المُتميِزة ، وإذا كانت النِساء يفتخرنَ بأنَّ أزواجِهِنْ قُضاة ومُكرَّمين برُتبة عالية ” لماذا تهينين أنتِ زوجِك ؟ “ فهي عروس لله ويجب أن تعلم أنها أفضل مِنْهُنْ ... أمَّا رفيقاتِها فهُنْ النِساء اللائي صِرْنَ نحيفات من الصوم ، اللائي يُرنِمْنَ يومياً في قُلُوبِهِنْ ” أينَ ترعى أين تُربِضُ عند الظَّهيرة “ ( نش 1 : 7 ) واللاتي يقولنَ بمحبة ” لي اشتهاء أن أنطلِق وأكُون مع المسيح “ ( في 1 : 23 ) .
ويحِثَّها على الاقتداء بعريسها ، فلا تخرُج كثيراً ، ويكون طعامها مُعتدِلاً ، وعندما تنهض في الليل للصلاة يكون الجوع – وليس سوء الهضم – هو الذي يُؤثِر على تنفُسها وينصحها أن تقرأ كثيراً بقدر استطاعِتها ، وأن تدع النوم يغلِبها وهي مُمسِكة بكِتاب بين يديها ، وأن تجعل الأصحاحات المُقدسة تستحوِذ على ذِهنها بينما هي تغفو ، أمَّا الصوم فضرورة يومية للعذراء لأنَّ ” الأرض المروية تُنبِت أشواك الخطية “ .
ويستطرِد كاتِبنا شارِحاً أنه من الصعب على النفس البشرية ألاَّ تُحِب ، فمن الضروري أن ينجذِب عقلِنا إلى نوعٍ ما من المحبة ، ومحبة الجسد لا تهزمها إلاَّ محبة الروح ، فالشهوة تُطفِئها شهوة أخرى ، وكلّ ما ينقُص في الواحدة يزيد في الأخرى ، ولذلك على العذراء أن تنوح دوماً وتقول : ” في اللَّيل على فِرَاشي طلبتُ مَنْ تُحِبُّهُ نفسي “ ( نش 3 : 1 ) لأنَّ الرَّسول يقول ” أميتوا أعضاءكُمُ التي على الأرضِ “ ( كو 3 : 5 ) وقال أيضاً بِثِقة ” فأحيا لا أنا بل المسيحُ يحيا فيَّ “ ( غل 2 : 20 ) .
وكلّ مَنْ يُميت أعضاءهُ ويسير بحسب مِثال بولس الإلهي لا يخشى أن يقول ” صِرتُ كَزِقٍٍّ في الدُّخان “ ( مز 119 : 83 ) ، وأيضاً ” رُكبتاي ارتعشتا مِنَ الصَّوم “ ( مز 109 : 24 ) ، وكذلك ” سَهَوْتُ عن أكل خُبْزي . مِنْ صوت تنهُّدي لصق عظمي بلحمي “ ( مز 102 : 4 – 5 ) .
فلابد أن تُعوِّم سريرها كلّ ليلة بِدِموعها ( مز 6 : 7 ) وتكون مُستيقِظة وحيدة كعصفور ( مز 102 : 7 ) وتُرتِل بروحها وأيضاً بِذِهنها ( 1كو 14 : 15 ) ، قول المزمور ” بارِكي يا نفسي الرب ولا تنسي كُلَّ حَسَنَاتِهِ . الذي يغفِرُ جميع ذُنُوبِكِ الذي يشفي كُلَّ أمراضِكِ الذي يفدي من الحُفرة حياتَكِ “ ( مز 103 : 2 – 4 ) .
ويُؤكِد أنه في مدحه للبتولية لا ينتقِص من كرامِة الزواج ، بل يُفضِّل البتولية عنه ، فالله يقول ” أثمِرُوا واكثُرُوا واملأُوا الأرض “ ( تك 1 : 28 ) .
لقد كانت حوَّاء عذراء في الفِردوس ، وبعد ثوب الجِلْد بدأت الحياة الزِيجية ، فالفِردوس هو المكان الذي تنتمي إليه العذارى ، ويُشجِّعها چيروم قائِلاً لها أن تستمِر كما وُلِدَت وأن تقول ” ارجعي يا نفسي إلى راحَتِكِ لأنَّ الرَّبَّ قد أحسن إليكِ “ ( مز 116 : 7 ) والدليل على أنَّ البتولية هي الحالة الطبيعية للإنسان وأنَّ الزواج جاء بعد التعدِّي هو أنَّ الجسد الذي يُولد من الزواج يكون بتولاً لكي نستعيد في الثمرة ما قد فُقِدَ في الجِذر .
وبِبَراعة أدبية يقول كاتِبنا أنه يمتدِح الزواج ، لكن يمتدِحه لأنه يُقدِّم له عذارى ، فهو يجمع الورد من بين الأشواك ، الذهب من الأرض ، اللؤلؤ من المحار ، ويُخاطِب هُنا الأُمهات اللائي يرفُضنَ أن يدعنَ بناتِهِنْ تُكرِّسنَ حياتِهِنْ للعريس السمائي ، فالزواج يُكرَّم أكثر عندما تكون ثمرته محبوبة أكثر ، ويقول للأُمهات ” هل أنتِ غاضِبة لأنها لا تُريد أن تكون عروس لجُندي بل ستصير عروساً للملِك ؟ لقد وَهَبَتِك كرامة عظيمة : أن تكوني حماة الله “ .
إنَّ الرَّسول يقول : ” وأمَّا العذارى فليس عندي أمرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ “ ( 1كو 7 : 25 ) لماذا ؟ لأنه هو أيضاً كان بتولاً ، ليس رغماً عنه بل بإرادته الحُرَّة ، ويتساءل چيروم لماذا لم يأخُذ الرَّسول أمراً من الرب بخصوص البتولية ، ويُجيب بأنَّ ما يُقدَّم بالإرادة الحُرَّة وليس بالاجبار تكون له قيمة أعظم ، فلو كان هناك أمر بالبتولية ، لبدا الأمر كأنَّ الزواج ممنوع ، ومن الصعب جداً أن نفرِض ما هو ضد الطبيعة ونطلُب من البشر حياة الملائِكة .
في العهد القديم ، كان هناك مفهومات مُتعدِّدة عن الغِبطة والسعادة ، ” بنُوكَ مثل غُرُوسِ الزَّيتونِ حول مائِدتك “ ( مز 128 : 3 ) أمَّا الآن فالقول هو ” لا يقُل الخصيُّ ها أنا شجرةٌ يابِسةٌ . لأنه هكذا قال الربُّ للخِصيان الذينَ يحفظُونَ سُبُوتي ويختارُون ما يَسُرُّني ويتمسَّكُونَ بعهدي . إنِّي أُعطيهم في بيتي وفي أسواري نُصُباً واسماً أفضل مِنَ البنين والبنات “ ( إش 56 : 3 – 5 ) فإنَّ الفقير مُطوب ، والعازِر مُفضَّل عن الغني ، الآن الضعيف هو الأقوى .
لقد كان الأبناء بركة في العهد القديم ، ولذلك تزوج إبراهيم بعد أن تقدَّم في الأيام من قطورة ( تك 25 : 1 ) ، ولذلك اشتكت راحيل من انغلاق رحمها ، لكن البتولية نمت بالتدريج ، وهكذا كان إيليا بتولاً ، وكان أليشع بتولاً ، وكان الكثير من أبناء الأنبياء بتوليين ، ولإرميا قيل ” لا تتَّخِذْ لِنَفْسِكَ امرأةً “ ( إر 16 : 2 ) فإذ قد تقدَّس في الرَّحِمْ ، مُنِع من أن يتخِذ لِنفسه امرأة لأنَّ زمان السبي قد اقترب .
والرَّسول يقول نفس الأمر بكلِمات أخرى ” فأظُنُّ أنَّ هذا حَسَنٌ لِسبب الضَّيقِ الحاضِر أنهُ حَسَنٌ للإنسان أن يكون هكذا “ ( 1كو 7 : 26 ) ولكن أي ضيق هذا الذي ينزع أفراح الزواج ؟ إنه قِصَر الوقت ” الوقتُ مُنْذُ الآن مُقصَّرٌ لكي يكُون الَّذِينَ لهُمْ نِساءٌ كأنْ ليس لهُمْ “ ( 1كو 7 : 29 ) .
ويستمِر چيروم في شرح تدرُجِيِة البتولية من العهد القديم إلى الجديد ، ففضيلة البتولية كانت موجودة فقط في الرِجال ، وظلِّت حوَّاء تلِد أطفالاً بالحُزن ( تك 3 : 16 ) لكن بعدما حبلت عذراء في رَحَمْهَا وولدت لنا ابناً على كَتِفيهِ الرِئاسة ، الله القدير ، زالت اللعنة .
فبِحوَّاء جاء الموت ، وبمريم أشرقت الحياة ، ولذلك انسكبت على جِنْس حوَّاء نِعمة بتولية أغنى لأنَّ الحياة ابتدأت بامرأة ، وما إن وطئ ابن الله الأرض بقدمه حتّى أقام لِنفسه أُسرة جديدة حتّى ” كما أنَّ الملائِكة تعبُده في السماء ، كذلك يكون له ملائِكة على الأرض “ .
ثم جاء يعقوب ويوحنَّا اللَّذِينِ تركا أباهُما وشِباكِهُما والمركب وتبعا المُخلِّص ، فتركا رِباطات الدم ومسئوليات هذا العالم واهتمامات بيتِهِما ، وللمرَّة الأولى كانت الدَّعوة ” إن أرادَ أحدٌ أن يأتي ورائي فليُنكِر نفسهُ ويحمِلْ صليبهُ ويتبعني “ ( مت 16 : 24 ) فليس هناك جُندي يذهب إلى المعركة ومعه زوجة ، والتلميذ الذي طلب أن يذهب ويدفِن أباه ، لم يُسمح له بذلك ” لِلثَّعالِب أوجِرة ولِطُيُور السَّماء أوكار . وأمَّا ابنُ الإنسان فليس لهُ أينَ يُسْنِدُ رأسهُ “ ( مت 8 : 20 ) .
وينصح چيروم العذارى بقراءِة كُتُب العلاَّمة ترتليان عن البتولية ، والكِتاب الرَّائِع الذي وضعه القديس كبريانوس أسقف قرطاچنَّة ، وكِتابات القديس أمبروسيوس أسقف مِيلان التي وضعها لأجل أُخته )*( .
ويُشبِّه عذراء المسيح بتابوت العهد ، مُغطَّاة بالذهب من الداخِل والخارِج ، حارِسة لِناموس الرب ، وكما أنه لم يكُن في التابوت إلاَّ لوحي العهد ، كذلك يجب على العذارى ألاَّ يترُكنَ داخِلهِنْ أي أفكار خارجية ، إذ أنه في هذا الموضِع يُريد الرب أن يجلِس كما يجلِس على الشاروبيم .
لقد أرسل الرب تلاميذه لكي يحلُّوها ( أي العذراء ) من الاهتمامات العالمية ، كما حلُّوا الجحش ( الذي ركبه في دخول أورشليم ) ، ولذا يجب أن تترُك طُوب وقش مصر وتتبع موسى في البرِّيَّة حتّى تدخُل أرض الموعِد ، لكن يجب ألاَّ تدع أحداً يُعيقها أو يمنعها ، لا أُم ولا أخت ولا قريبة ولا أخ ، لأنَّ الرب يحتاجها ، لكن إذا أرادوا أن يمنعوها ، لِتجعلهم يخافون من الضربات التي نزلت بِفرعون لأنه لم يُرِد أن يُطلِق شعب الله لِيعبدوه .
إنَّ يسوع عندما دخل الهيكل ألقى خارِجاً كلّ شيء لا يخُص الهيكل ( مت 21 : 12 وما بعدها ) لأنَّ الله غيور ( خر 20 : 5 + 34 : 14 ) ولا يُريد أن يتحوَّل بيت الآب إلى مغارة لُصوص ، إذ حيثما تُحصى النقود وتوجد أقفاص الحمام وتُذبح البساطة ، ينهض العريس غاضِباً قائِلاً : ” هُوذا بيتُكُمْ يُتْركُ لكُمْ خراباً “ ( مت 23 : 38 ) .
ويشرح أنَّ العذراء عندما تُصلي تتحدَّث إلى عريسها ، أمَّا عندما تقرأ ، فعريسها هو الذي يتحدَّث إليها .
ويُحذِّرها من البُخْل ويحِثَّها على الصدقة مُؤكِداً على أهمية الصلوات وبالأخص صلوات السواعي ، مع تجنُّب الغِنَى .
وباسلوب بليغ يقول أنَّ ليس شيء صعباً على المُحبين ، ليس من جهد صعب على ذاكَ الذي يشتاق بحرارة ، وكما تحمَّل يعقوب لأجل راحيل ” فخدم يعقوب براحيل سبع سنينٍ . وكانت في عينيهِ كأيَّامٍ قليلةٍ بسبب محبَّتِهِ لها “ ( تك 29 : 20 ) فلنُحِب نحن أيضاً المسيح ولنطلُب أحضانه على الدوام وسنجِد أنَّ الأمر الصعب قد صار سهلاً ” ملكوت السموات يُغصبُ والغاصِبون يختطِفونهُ “ ( مت 11 : 12 ) وإذا لم نتغصَّب فلن نأخُذ ملكوت السموات .
وأخيراً يتخيَّل چيروم يوم مُجازاة العذارى في السماء ، وكيف سيكون ذلك اليوم ، عندما تأتي العذراء مريم أُم الرب لِتُقابِل استوكيوم في السماء ، وبِصُحبتها خورس من العذارى ، عندما تطير تكلة فرحة إلى ذراعيها ، عندئذٍ سيأتي عريسها نفسه لِيُقابِلها .


الفصل السَّادِس
القديس أُغسطينوس
” عن البتولية
ON VIRGINITY
بعد أن وضع القديس كِتاباً عن ” صلاح الزواج On The Good of Marriage “ ونصح فيه عذارى المسيح أن لا يحتقرنَ – بسبب عطيتهِنْ العُظمى التي أُعطِيت لهُنْ – أباء وأُمهات شعب الله ، وأن لا يعتقدنَ أنَّ الذين خدموا المسيح ، ولو حتّى بإنجاب الأبناء ، هم أقل استحقاقاً مِنْهُنْ ، رغم أنَّ ” العِفة الإلهية مُفضَّلة عن حياة الزيجة والبتولية التَّقية عن الزواج “ ...
بعد ذلك وضع القديس أُغسطينوس كِتابه عن البتولية الذي يطلُب في مُقدمته من المسيح المولود من عذراء ، عريس العذارى ، المولود من جسد رَحِمْ بتول ، والمُتزوِج بحسب الروح زواجاً عذراوِياً أن يُعينه في حديثه ويسنِده بِنِعْمِته .
ويتساءل القديس : إذا كانت الكنيسة كلّها عذراء مخطوبة لرجُل واحد الذي هو المسيح – كما يقول القديس بولس الرَّسول – فكم عظيمة هي الكرامة التي لأعضائها الذين يحفظون هذا ( العذراوية ) حتّى في الجسد نفسه ، هذا الذي تحرُسه الكنيسة كلّها في الإيمان ؟ ويرى أنَّ الكنيسة تقتدي بأُم عريسها وسيِّدها لأنَّ الكنيسة أيضاً أُم وعذراء .
ويرى أسقف هيبو أنَّ القديسة مريم قد ولدت رأس الجسد بحسب الجسد ، والكنيسة تلِد أعضاء هذا الجسد ، وفي الحالتين لا تعوق البتولية الإثمار ولا الإثمار يعوق البتولية ، ومع أنَّ الكنيسة كلّها مُقدسة في الجسد والروح ، إلاَّ أنه ليس الجميع بتوليين في الجسد بل في الروح ، فكم عظيمة هي قداسِة الأعضاء التي هي عذراء ليس فقط بحسب الروح بل وحسب الجسد أيضاً !!
ويجب أن لا تحزن عذارى الله لأنَّهُنْ – بسبب بتوليتهِنْ – لا يستطِعنَ أن يكُنَّ أُمهات بحسب الجسد ” لأنَّ البتولية تلِده هو وحده الذي ليس له نظير في ميلاده “ أي السيِّد المسيح له المجد ، وولادِة العذراء للمسيح هي زينة كلّ العذارى ، وهُنْ أنفُسهُنْ ” أُمهات للمسيح مع مريم إذا فعلنَ مشيئة أبيه “ وقد قال السيِّد له المجد ” مَنْ يصنع مشيئة أبي الذي في السَّموات هو أخي وأُختي وأُمِّي “ ( مت 12 : 50 ) .. وأُم المسيح هي الكنيسة كلّها لأنها تلِد أعضاءهُ أي المُؤمنين به ، وأُمه أيضاً هي كلّ نفس تقية تصنع مشيئة أبيه بمحبَّة مُثمِرة جداً ... فالعذراء مريم إذاً – بِصُنعها مشيئة الآب – هي بحسب الجسد أُم المسيح فقط ، أمَّا بحسب الروح فهي أُمه وأخته ..
ويشرح ابن الدِموع التائِب كيف أنه كان ينبغي أن يُولد رأسنا ، بحسب الجسد ، بِمُعجزة فائِقة من عذراء حتّى يُعلِن بذلك أنَّ أعضاءهُ ستُولد بحسب الروح من الكنيسة العذراء البتول ... فمريم وحدها أُم وعذراء في الجسد والروح ، أُم للمسيح وعذراء للمسيح ، أمَّا الكنيسة فهي بكُلّيتها أُم للمسيح في الروح ، وبِكُلّيتها أيضاً عذراء للمسيح في الروح ، ولكن في الجسد ليس بِكُلّيتها ، فالبعض عذارى للمسيح ، والبعض الآخر أُمهات ولكن ليس للمسيح ، وفي الواقِع ، النِساء المُؤمنات المُتزوجات والعذارى المُكرَّسات لله ، بِحياتِهِنْ المُقدسة ومحبتهُنْ التي من قلب طاهِر وضمير صالِح وإيمان بلا رِياء ” هُنَّ جميعاً بمعنى روحي أُمهات للمسيح “ ولكن هؤلاء اللاتي في الزيجة ويَلِدنَ أبناء بحسب الجسد ، لا يَلِدنَ المسيح بل آدم ولكن عندما تصطبِغ ذُريتهم هذه في أسرار الكنيسة المُقدسة تصير أعضاء مُقدسة للمسيح ...
ويُعلِن القديس أنه شرح ذلك ” لكي لا يتجرّأ الإثمار الزيجي ويُنافِس العِفة العذراوية “ أو أن تقول المُتزوجات للعذارى ” إنَّ مريم كان لها في جسدها أمران يستحِقان الكرامة : البتولية والإثمار ( الإنجاب ) ، فقد ظلَّت عذراء ومع ذلك حبلت وولدت ، ولأننا لا نستطيع أن نحظى بهذه السعادة كلّها ، لذا قسمناها ، أنتُنَّ تكُنْ عذارى ونحن أُمهات ، وما ينقُصكُنَّ من أبناء تكون بتوليتكُنْ التي تحفظنها تعزية لكُنَّ عنه ، وبالنسبة لنا يكون رِبح الأولاد تعزية وعِوَض لنا عن خسارتنا للبتولية ... “ .
ويرفُض القديس هذا الفِكْر ويرى أنَّ هذا الحديث يكون صحيحاً لو كانت الأُمهات يلِدنَ أبناء مسيحيين بحسب الجسد ، لكنَّهُنْ لا يلِدنَ أبناءِهِنْ مسيحيين ، فلكي يصيروا مسيحيين لابد أن يُولدوا من الكنيسة لأنها أُم أعضاء جسد المسيح والتي هي في الوقت عينه عذراء .
لذا لا يُمكن أن يُقارن أي إثمار للجسد بالبتولية المُقدسة ، لأنَّ البتولية لا تُكرَّم لِمُجرَّد كونِها بتولية بل لأنها مُكرَّسة لله ، ومع أنها تُحفظ في الجسد ، إلاَّ أنها تُحفظ بتكريس النَّفْس ، وبهذا تكون بتولية الجسد روحية ، فكما أنه لا أحد يُسئ استخدام جسده ما لم تكُنْ الخطية قد حُبِلَ بها قبلاً في نفسه ، كذلك لا أحد يحفظ عِفة الجسد ما لم تكُنْ العِفة قد زُرِعت فيه وغُرِست قبلاً في نفسه ...
وينصح القديس بأن لا يظُنْ أحد أنَّ إثمار هؤلاء الذين لا يطلبون أي شيء من الزواج إلاَّ الأبناء لِيُقدَّموهم للمسيح يُمكن أن يُعوض عن خُسارة البتولية ... وبينما كان الإنجاب نافِعاً في الأزمنة السابِقة لمجئ المسيح ، وكان هناك إحتياج إليه ، إلاَّ أنه الآن – عندما يُمكن أن تُجمع أعضاء المسيح من كلّ جِنْس ومِنْ كلّ أُمَّة ومِنْ كلّ قبيلة في شعب الله ، في مدينة ملكوت السموات – على كلّ مَنْ يستطيع أن يحفظ البتولية المُقدسة أن يحفظها ولِيتزوج فقط هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يضبطوا أنفسهم ( مت 19 : 12 + 1كو 7 : 9 ) .
ويجب أن لا يُقارِن المُتزوِجون أنفسهم بالمُتبتلين على أساس أنَّ المُتبتلين يُولدون منهم لأنَّ هذا ليس صلاحاً من الزواج بل من الطبيعة كما رتَّب الله ، فلا تُولد أيَّة أُنثى – سواء من زواج مُقدس أو من زِنى – إلاَّ وهي عذراء ، لكن ليس عذراء قديسة ، إذاً ” العذراء تُولد حتّى من الزِنا ، ولكن العذراء القديسة ليس حتّى من الزواج “ .
يرى القديس أنَّ الكنيسة هي أُم جميع العذارى القديسات ، لأنه ” لا أحد يستطيع أن يلِد عذارى قديسات إلاَّ عذراء قديسة ، تلك التي خُطِبت لِتُقدَّم عفيفة إلى رجُل واحد الذي هو المسيح “ ( 2كو 11 : 2 ) ... والعِفة والبتولية هي من نصيب الملائِكة وهي عيش عدم الفساد في الجسد القابِل للفساد .
ويرى القديس أُغسطينوس أنَّ مَنْ ينظُر إلى البتولية على أنها ضرورية من أجل العالم الحاضِر فقط وليس من أجل ملكوت السموات إنما هو مُجرَّد من الحكمة ، ويرفُض آراء من يقولون أنَّ المُتزوجين يتضايقون ويُعانون من الهموم العالمية والدِنيوية ، وأنَّ العذارى يسترحنَ من هذه الأتعاب ، كما لو كان من الأفضل عدم الزواج لا لشيء إلاَّ للرَّاحة من أتعاب الزمان الحاضِر وكأنه لا نفع للبتولية في الحياة الأبدية .
ومع أنَّ البتولية تُحرِّر من أتعاب واهتمامات هذا العالم ، إلاَّ أنَّ هذا لا يعني أنَّ الزواج والاهتمام بأمور هذا العالم يحرِم الإنسان من الملكوت ، كما لو كان الزواج خطية يمنعها أمر أو وصية ، ولكن الرَّسول قد رأى وأعطى نصيحة وليس أمراً ، لأنه لو قدَّم أمراً لجلب الإدانة على مَنْ لا يطيعه ، فهو يقول ” أمَّا العذارى فليس عِندي أمرٌ من الرب فِيهِنَّ “ ( 1كو 7 : 25 ) لأنَّ كلّ مَنْ لا يطيع الأمر والوصية يصير تحت الدينونة ويكون مُخطِئاً ، ولكن لأنه ليس خطية أن يتزوجنَ ( لو كان ذلك خطية لَمُنِعْ باستخدام ” أمر “ ) لذلك ليس هناك أمر من الرب بخصوص العذارى .
ويَحِثَنا القديس أُغسطينوس أن نسعى من أجل الحياة الأبدية حيث سيكون هناك مجد عظيم يُعطَى – ليس لكلّ الذين سيحيون إلى الأبد – بل للبعض فقط ، ومن أجل أن ننال هذا المجد الفائِق لا يكفي التحرُّر من الخطايا فقط ، بل أن نُنذِر لِذاكَ الذي حرَّرنا نذراً ليس خطية أن لا نُنذِره ، بل هو أمر يجلِب المديح والثناء أن نُنذِره ونُتمِّمه .
ويُعلِّق أسقف هيبو على قول القديس بولس : ” أنتَ مُرتبِطٌ بامرأةٍ فلا تطلُب الاِنفصال . أنتَ مُنفصِلٌ عن امرأةٍ فلا تطلُب امرأةً “ ( 1كو 7 : 27 ) ويرى أنَّ الرَّسول يُقدِّم أمرين :
1) أمر : وهو ألاَّ يترُك الإنسان زوجته ( إلاَّ لسبب الزِنا كما قال ربنا في الإنجيل ) ويجِب أن يُنفَّذ هذا الأمر وكلّ مَنْ يتعداه يُخطِئ .
2) رأي : لِمَنْ هو مُنفصِل عن امرأة أن يظل هكذا ، ولأنه ليس وصية بل مُجرَّد رأي لذلك لا تُعد عدم طاعته خطية ولكن من الأفضل طاعته .
ويرى أنَّ قول القديس بولس ” لكنَّ مثل هؤلاء يكونُ لهُمْ ضيقٌ في الجسد . وأمَّا أنا فإنِّي أُشفِقُ عليكُمْ “ يوضح أنَّ الرَّسول يحِث وينصح بالبتولية ، ويُحذِّر قليلاً من الزواج ، ليس كما من أمر شرير أو غير قانوني بل كما من عِبء وانشغال ، لأنَّ الحديث عن خِزي ودنس الجسد شيء ، والحديث عن الضيق في الجسد شيء آخر ، فالأوَّل خطية أمَّا الآخر فهو انشغال يُعاني منه الإنسان لكنه ليس خطية .
وبينما يحِث أُغسطينوس الرِجال والعذارى أن يحيوا في بتولية وعذراوية ، ينصحهم ألاَّ يعتبِروا الزواج شر أو خطية ، وأن يفهموا أنه لم يكُنْ كِذباً بل حقاً واضحاً أنَّ الرَّسول قال ” مَنْ زَوَّج فحسناً يفعلُ ومَنْ لا يُزوِّجُ يفعلُ أحسن “ ” ولكنَّك إن تزوجت لم تُخطِئ ، وإن تزوجت العذراء لم تُخطِئ “ وبعد ذلك يقول : ” لكنَّها أكثر غِبطة إن لبثت هكذا بحسب رأيي “ ( 1كو 7 : 40 ) ويُعلِّق القديس : ” هذه هي عقيدة ربنا وعقيدة الرُّسُل ، هذا حق ، هذا صحيح ، أنَّ اختيار العطايا الأعظم لا يدين العطايا الأقل “ ، ويُعلِّم القديس المُتبتلين أنَّ كون الزواج ليس شراً لا يُنقِص من عَظَمْ البتولية ، بل يجب أن تثِق العذراء أنَّ لها إكليل أعظم .
ويتحدَّص القديس عن اتجاهين بخصوص البتولية والزواج :
الإتجاه الأوَّل : يُفسِر قول الرَّسول ” لكني أظُن أنه حَسَنْ من أجل الضرورة الحاضِرة “ كما لو كانت البتولية نافِعة فقط من أجل الحياة الحاضِرة وليس من أجل ملكوت السموات ، وكما لو أنَّ هؤلاء الذين اختاروا هذه الحياة الأحسن سينالون نفس النصيب الذي سيناله الباقون ، ويرفُض القديس هذا الفِكْر .
الإتجاه الثَّاني : يُفسِر قول الرَّسول ” ولكنَّ مثل هؤلاء يكونُ لهُمْ ضيقٌ في الجسد . وأمَّا أنا فإنِّي أُشفِقُ عليكُمْ “ على أنه إدانة للزواج ويرفُض القديس هذا الفِكْر أيضاً .
فكلا الأمران خطأ :
إذ أنه من الخطأ أن نُساوي بين الزواج والبتولية المُقدسة .
ومن الخطأ أيضاً أن ندين الزواج .
فالبعض من فرط محبتهم للبتولية اعتبروا الزواج أمراً مكروهاً بل وحتّى زِنى ، والبعض الآخر ، في دِفاعهم عن الزواج ، جعلوا كرامة البتولية مُساوية للزواج ، كما لو كان صلاح سُوسنَّة هو التقليل من مجد وكرامة مريم ، أو كأنَّ صلاح مريم ومجدها الأعظم والأحسن لابد أن يكون إدانة سُوسنَّة ، فلا يُمكن لِسُوسنَّة التي أنقذها دانِيال من العِقاب أن يضعها بولس في الجحيم .
يرى القديس أُغسطينوس أنه لو كان الزواج خطية لِمَا كان هناك داعِ لمدح البتولية بل لكان يكفي أن لا تُلام : ” إننا بحسب الإيمان والعقيدة الصحيحة من الكِتاب المُقدس نقول أنَّ الزواج ليس خطية ، ومع ذلك نُكرِّر أنَّ صلاحه أقل ليس فقط من البتولية ، بل وأيضاً من عِفة التَّرمُل “ .
ويرى القديس أنَّ الخِصيان الذينَ تحدَّث عنهم على فم إشعياء النبي ، هؤلاء الذينَ وعدهم بأنه سيُعطيهم في بيته وفي أسواره نُصُباً واسماً أفضل من البنين والبنات ، هم الخِصيان الذينَ خصوا أنفسهم من أجل ملكوت السموات ، ويرى أنَّ الله سيُعطي المُتزوجين أيضاً نُصُباً ، لأنه يقول ” نُصُباً أفضل “ ولكن نُصُب المُتزوجين ستكون أقل في المجد ، ولكن هؤلاء الخِصيان ليسوا في الجسد فقط بل قد اقتلعوا من نِفوسِهِمْ كلّ جُذور الشهوة ويحيون حياة سمائية ملائِكية في حياتهم الأرضية الزائِلة .
ولكي لا يظُن أي إنسان أنه سيكون في الأبدية أي شيء من هذه الأشياء الزائِلة ، لذلك أضاف الرب ” أُعطيهم اسماً أبدياً لا ينقطِعُ “ ( إش 56 : 5 ) وهذا الاسم الأبدي الذي لن ينقطِع يدُل على المجد الخاص الفائِق الذي لن يكون للجميع ، مع أنهم جميعاً في نفس الملكوت ، ولعلّهُ دُعِيَ ” اسم “ لأنه يُميِّز هؤلاء الذينَ يُعطَى لهم عن الباقين .
ويدعو كاتِبنا قديسي الله الفِتيان والفتيات ، الرِجال والعذارى أن يثبتوا في بتوليتهم حتّى النِهاية ، وأن يُمجِّدوا ويُسبِّحوا الله الذي يتأمَّلون فيه ويخدمونه ويُحبُّونه ويُجاهدون لِينالوا مرضاته ، ويدعوهم لأن ينتظروا الرب بمصابيح مُوقدة مُضيئة حتّى يُقابِلوه عندما يأتي من العُرْس ، لأنهم سيُسبِّحون تسبحة جديدة في عُرْس الحَمَلْ على قِيثارَاتِهِمْ ، تسبِحة لا يستطيع أن يترنم بها أي أحد سِواهم ، لأنَّ ذاكَ التلميذ الذي أحبُّه الحَمَلْ أكثر من الآخرين والذي اعتاد أن يسنِد رأسه على صدره قد رأهم في سِفْر الرؤيا ، إذ رأى هذا المحبوب ( يوحنَّا الحبيب ) اثنى عشر مرَّة اثنى عشر ألفاً من عازفي القِيثارة القديسين الذين يحفظون بتولية الجسد نقية ويحفظون نقاوة الحق في قلوبِهِمْ ، وكتب عنهم أنهم سيتبعون الحَمَلْ إينما ذهب ، ويتساءل أُغسطينوس : إلى أين سيمضي هذا الحَمَلْ إلى أي مُروِج سيمضي ؟ .. ثم يُجيب : سيمضي إلى حيث الخُضرة هي أفراح ، ليست أفراح باطِلة مثل تلكَ التي للعالم ، ولا أفراح مثل تلك التي ستكون في ملكوت الله المُعَدْ للباقين الذينَ ليسوا عذارى ولا مُتبتلين ، بل هي أفراح مُميزة عن أفراح الباقين ففرح العذارى هو فرح المسيح ، في المسيح ، مع المسيح ، بحسب المسيح ، بالمسيح ، ومن أجل المسيح ، وأفراح عذارى المسيح تختلِف عن تلك التي لِهؤلاء الذين ليسوا عذارى رغم أنها أيضاً أفراح المسيح ..
ويحِث القديس العذارى ” اذهبنَ اتبعنَ الحَمَلْ لأنَّ جسد الحَمَلْ بالتأكيد هو بتول “ ويدعيهُنْ أن يتبعنَ المسيح حافِظات بتولية قلوبِهِنْ وأجسادِهِنْ إينما ذهبنَ ، ويشرح أنَّ التبعية ليست إلاَّ اقتداء ومُحاكاة .
أمَّا المؤمنون الذين فقدوا بتوليتهم فيدعوهم القديس لأن يتبعوا الحَمَلْ ولكن ليس حيثُما يمضي بل حيثُما يستطيعون هم الذِهاب وراءهُ ، وهم يستطيعون أن يتبعوه في كلّ مكان إلاَّ عندما يمشي في مُرَوِج البتولية ، ويرى القديس أنَّ كلّ المسيحيين يتبعون المسيح ولكن المُتبتلين يضعون أقدامهم ويسيرون على أثار أقدام المسيح footprints بينما المُتزوِجون يسيرون فقط في الطريق ولكن ليس على أثار أقدام المسيح .
ويشرح القديس أنَّ الحَمَلْ يسير في طريق عذراوي لذا لا يستطيع هؤلاء الذين فقدوا بتوليتهم أن يتبعوه ، ويحِث عذارى المسيح أن يتبعوه أينما يمضي ، ويشرح أنَّ باقي المؤمنين الغير مُتبتلين يفرحون مع المُتبتلين ولن يحسدونهم لأنهم يرون فيهم ما ليس فيهم هم أنفسهم ، ومع أنَّ التِسبحة الجديدة يُسبِّحها المُتبتِلون فقط إلاَّ أنَّ غير المُتبتلين لن يكونوا عاجزين عن أن يسمعوا ...
ويحِث القديس أُغسطينوس المُتبتلين والعذارى على التواضُع لأنهم عندما يُقارِنون أنفسهم بالمُتزوجين سيجدون أنهم أفضل منهم بحسب تعليم الكِتاب المُقدس ، وأنَّ الآخرين أقل منهم في الأعمال والجعالة ، لذا يجب أن يعلموا أنه بقدر عِظَمْ الإنسان بقدر ما يجب أن يتضع ، فمقدار ومِعيار الاتضاع قد أُعطِيَ من مقدار ومِعيار العظمة والكرامة .
ويُحذِّر القديس أُغسطينوس قائِلاً : ” لأنَّ العِفة الدائِمة وخاصَّة البتولية هي الصَّلاح الأعظم في قديسي الله ، لذا يجب أن ينتبِهوا بحذر وتيقُظ من أن تفسد بالكبرياء والعجب “ .
وصفوف العذارى والمُتبتلين ، الأولاد والفتيات القديسين ، قد تدرَّبوا في الكنيسة المُقدسة ، فهناك كانوا يزهرون ويينعون من صدر أُمهم ، لأنَّ اسم الرب جعل لِسانهم يتحدَّث ، ولأنَّ اسمه ، كما لو كان لبن الطِفولة ، قد انسكب داخِلهم ورضعوه ، فهؤلاء نذروا لا خوفاً من عِقاب أُعلِنْ ، بل من أجل جعالة مُدِحت ، من أجل ملكوت السموات ..
وفي مُناجاة رائِعة يقول ابن الدِموع :
” إنهم أبرار ولكنهم ليسوا مثلك يُبرِّرون الخُطاة
إنهم عفيفون ولكن بالآثام حملتهم أُمهاتِهِمْ في أرحامِهِنْ
إنهم قديسون ولكِنَّك أنت قدوس القديسين
إنهم مُتبتِلون ولكنهم لم يُولدوا من عذارى
إنهم عفيفون كُلِّيةً في الجسد ، ولكنهم ليسوا الكلمة الذي صار جسداً “ .
ويتساءل القديس : ” أي أعضاء من الجسد المُقدس الذي هو الكنيسة يجب أن تحترِس – لكي يستريح فيها الروح القدس – أكثر من تلكَ التي نذرت القداسة العذراوية ؟ “ .
وينصح القديس الفيلسوف عذارى المسيح أنَّ أوِّل فِكْر يقودَهُنْ للتواضُع هو ألاَّ يَظُنَنَّ أنَّهُنْ عذارى من أنفُسَهُنْ بِجهادِهِنْ فقط بل هي ” عطيَّة صالِحة ... مِنْ فوقُ نازِلةٌ من عِند أبي الأنوار الذي ليس عِندهُ تغيير ولا ظِلُّ دورانٍ “ ( يع 1 : 17 ) .
ويرى القديس أنه لا أحد يحرُس البتولية إلاَّ الله نفسه الذي يهِبها ، والله محبَّة ، إذاً حارِس البتولية هو المحبَّة .

مراجِع الباب الثَّاني
1) القديس ميثوديوس : وليمة العشر عذارى
The Banquet of The Ten Virgins, The Ante-Nicene Fathers, Vol.VI.
2) القديس كبريانوس : ثِياب العذارى
On The Dress of Virgins, The Ante-Nicene Fathers, Vol. V. p.430-436.
3) القديس إغريغوريوس النيصي : عن البتولية
On Virginity, A Select Library of Nicene and Post Nicene Fathers of The Christian Church, Vol. V, p. 343-371.
4) القديس أمبروسيوس : عن العذارى
On Virgins, A Select Library of Nicene and Post Nicene Fathers of The Christian Church, Vol.X, p.361-391.
5) القديس چيروم : الرِسالة إلى استوكيوم
Letters To Eustochium, Ancient Christian Writers, The Letters of St. Jerome, Vol. I, Letter 22, p.134-179.
6) القديس أُغسطينوس : عن البتولية
On Virginity, A Select Library of Nicene and Post Nicene Fathers of The Christian Church, Vol.X, p.417-438.


الخُلاصة
أعطى الآباء اهتماماً خاصاً للبتولية ، وهذا يُفسِر جُزئياً بأنَّ الرَّهبنة كانت الحدث المُهِم في عصر الآباء الذهبي ، لأنَّ الرَّهبنة كانت بنظرهم الحياة الإنجيلية المُثلَى ... ومع ذلك كتب الآباء كِتابات عميقة عن الزواج لأنهم عاشوا ما يرمُز إليه الزواج ، في العُرْس السِّرِّي ، حيث العروس التي لا عريس لها ويُسمَّى عُرْسها عُرْساً بتولياً بالإتحاد بالله .
رأى الآباء أنَّ البتولية ليست جدباً أو عُقماً إنما هي حياة مِلؤها الخصب والنماء تحفظ تمامية الإنسان في سمو وقداسة ، مُعتبرين أنها عطية روحية وحياة ملائِكية وتَبَعِية للحَمَلْ أينما ذهب ، لذلك هي هِبة ليست للجميع بل للذينَ أُعطِيَ لهم .
ويرى آباء الكنيسة أنَّ البتولية إحدى صور الحياة المسيحية ، فهي ليست صورة عامة ولكنها صورة خاصَّة ، تنشأ بالروح القدس في حياة المدعوين لها ، وركَّز الآباء على أنَّ البتولية تُعتبر علامة القِيامة من الموت وعلامة البُّنوة الكامِلة ، حتّى أنَّ بعض الآباء اعتبر أنها السِّر الثَّامِن من أسرار الكنيسة .
وعند كلّ الآباء تُعتبر البتولية علامة القِيامة ، والبتوليون هم الذين فعلاً قاموا من بين الأموات بينما هم لا زالوا في الجسد ، والروح القدس الفاعِل في الأسرار يزرع فيهم هذه الطبيعة الفائِقة ، طبيعة القِيامة ، فالبتولية سِمة العالم الجديد وبِدايِة الملكوت وقانون الحياة الأبدية ، طريقها سماوي ملائِكي ، والسَّالِكين فيها بشر سمائيون وملائِكة أرضيون ، شريطة ألاَّ تكون وضعاً خارِجياً بل حالة كمال حقيقي وتبنِّي لطبيعة العادِمي الأجساد ، جحود فائِق للطبيعة ومُنافسة عجيبة للملائِكة .
أوصى الآباء الذين يحيون حياة البتولية أن لا ينتفِخوا بسبب بتوليتهم أمام السَّالكين في ممرات الزيجة التي هي أقل ، إذ لا ينبغي على مَنْ يملُك ذهباً أن يحتقِر الفِضَّة ، فلا معنى لبتولية الجسد بدون بتولية القلب وتكريس كلّ الطاقات للعِبادة والخدمة .
وعرَّف الآباء نذر البتولية بأنه حياة عدم الفساد ورِباط الإتحاد بين الأُلوهية والبشرية وزيجة روحية يقتني بها البتول أجنحة روحانية ويطير ليسكُن في نور البتول ابن البتول كواحِد مُختار من الناس المُختارين وكمعدود ضِمن الطغمات السمائية صاحِب النصيب الأمجد في قطيع المسيح .
ويرى الآباء أنَّ البتوليين هم زهور الكنيسة ، جمال وزينة ونِعمة الروح ، صورة الله التي تعكِس قداسته ، الجزء الأكثر لمعاناً في قطيع المسيح المُثمِر المجيد ، ويتمثَّل جمال الحياة البتولية في عُمقها في علاقة شخص الرب يسوع بعروسه البتول .
ويرى الآباء الأوَّلون أنَّ الطوباوية مريم العذراء هي نموذج ومِثال البتولية ، وهي مُعلِّمة البتولية والطهارة ، ونذر بتولية العذراء الذي وضعته في قلبها جعل البتول يحِل فيها لِيُقدِّس فيها حياة البتولية ، ولِيُؤكِد بتولية القلب التي يُريدها للكنيسة خلال بتولية جسد مريم .
فالمسيح نفسه بتول وأمه بتول ، نعم مع أنها أُمُّه لكنها لا تزال بتولاً ، إذ دخل يسوع فيها خلال الأبواب المُغلقة ... ونحن أولاد الملِك البتول الذي تم فيه القول أنَّ البتول سلَّم البتول إلى البتول فاستراح المثيل إلى مثيله ( يو 19 : 26 ) نسأله أن يبعث في أعضاء جسده إمكانية حياة البتولية التي هي شريعة السماء ليصير هو السيِّد البتول راعياً للبتوليين ، مُتحِداً بنا مُصيِراً كلّ ما فينا بتولاً ... مُعطَِياً إيَّانا الفِكْر البتولي والقلب البتولي والحواس البتولية .
:954624:


مواضيع ذات صلة::

hgfj,gdm td tA;Xv hgHfhx - Hk',k tild چ,vچ tiln

 


الموضوع الأصلي : البتولية في فِكْر الأباء - أنطون فهمي چورچ || الكاتب : م.عماد يوسف || المصدر : معهد راعي الخراف

 

 ضع تعليق باستخدام حساب الفيس بوك  

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أنطون, الأباء, البتولية, فهمى, فِكْر, چورچ

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

سياسة الخصوصية -خريطة الموقع- راعي الخراف

|

قسم صور وخلفيات عامه hd :: ترانيم مسيحيه mp3::اقسام تطوير المنتديات vBulletin:: بوابة راعي الخراف::اقسام التقنية


الساعة الآن 09:41 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.

كل ما يكتب او ينشر او يعلن عنة يعبر عن راي كاتبة ونحن في موقع راعي الخراف لانتحمل اي مسئو لية عن اي اتفاق تجاري او اعطاء بيانات مواقع لاي شخص .

Security team